لم تعد أزمة العثور على موقف للسيارات في بغداد مجرد معاناة يومية للسائقين، بل تحولت بعض الأرصفة وجوانب الطرق إلى مساحات تُفرض عليها رسوم غير واضحة، يدفعها المواطنون تحت ضغط الحاجة، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول قانونية هذه الجبايات والجهات المستفيدة منها.
ومع تزايد أعداد المركبات واتساع أزمة المواقف النظامية، تحولت الأرصفة وجوانب الطرق إلى مورد مالي غير معلن، هذه الظاهرة تثير تساؤلات عن الجهات التي تقف وراءها، وحجم الأموال التي تُستوفى يومياً، وما هو دور المؤسسات المعنية في تنظيم المواقف العامة ومنع استغلال الأملاك العامة خارج الأطر القانونية.
بين هذا الواقع الذي فرضته أزمة المرور، والمسؤوليات الحكومية التي تتداخل للتنظيم والرقابة، تُطرح أسئلة عديدة عن المواقف المدفوعة في بغداد، أسباب انتشارها، أبعادها القانونية، والحلول الممكنة للحد منها؟
أرصفة خارج التنظيم
في شوارع بغداد المزدحمة، لم يعد البحث عن موقف للسيارة ينتهي بمجرد العثور على مساحة فارغة. ففي كثير من المناطق التجارية، وأمام الأسواق والمستشفيات والدوائر الحكومية والمطاعم، تتكرر صورة باتت مألوفة؛ أشخاص يقفون عند حواف الأرصفة أو جوانب الطرق، يلوحون للسائقين بأيديهم لإرشادهم إلى أماكن الوقوف، ثم يتقدمون بعد إطفاء المحرك مباشرة للمطالبة بأجر الوقوف،
حتى وإن كانت المركبة متوقفة في شارع عام لا يحمل أي إشارة تدل على أنه موقف مدفوع أو مستثمر بصورة رسمية، وبمرور الوقت تحولت هذه الممارسة إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة.
فكثير من السائقين باتوا يدفعون الرسوم من دون سؤال أو اعتراض، ليس اقتناعاً بمشروعيتها، وإنما تجنباً للدخول في نقاش قد يطول، أو خشية فقدان المكان الذي عثروا عليه بعد جولة طويلة في الشوارع المزدحمة.
وفي المقابل، يغيب عن معظمهم أي تصور واضح عن الجهة التي تستوفي هذه الأموال، أو ما إذا كانت تؤول إلى مؤسسات رسمية أم إنها تمثل نشاطاً غير منظم فرض نفسه بفعل الحاجة وضعف الرقابة.
وبين نقص المواقف النظامية وازدياد أعداد المركبات، أصبحت الأرصفة وجوانب الطرق تؤدي وظيفة لم تُنشأ من أجلها، فيما تحول تنظيم الوقوف في بعض المواقع إلى نشاط يدر أموالاً يومية.
مدينةٌ تتسع بالمركبات وتضيق بالمواقف
لم تعد أزمة المواقف في بغداد مشكلة ترتبط بصعوبة العثور على مساحة لركن المركبة فحسب، بل أصبحت انعكاساً مباشراً للتحولات التي شهدها الواقع المروري والعمراني في العاصمة خلال العقود الماضية.
فالزيادة المطردة في أعداد السكان والمركبات، والتوسع العمراني، والنشاط التجاري المتنامي، جميعها عوامل رفعت الطلب على أماكن الوقوف إلى مستويات لم تعد البنية التحتية الحالية قادرة على استيعابها، ما دفع بالأرصفة وجوانب الطرق إلى أداء وظيفة لم تُنشأ من أجلها، قبل أن تتحول في كثير من المناطق إلى مواقف تستوفى عنها رسوم يومية.
في هذا السياق، يؤكد مدير التخطيط والمتابعة في مديرية المرور العامة وخبير التخطيط التنموي المهندس خالد كاظم الصالحي، “أن انتشار المواقف العشوائية لا يمكن عزله عن مجموعة من العوامل التخطيطية والإدارية والاقتصادية التي تراكمت على مدى سنوات”،
موضحاً أن “التوسع الكبير في أعداد المركبات خلال السنوات الأخيرة لم يرافقه توسع مماثل في إنشاء مواقف سيارات نظامية ضمن المخططات الحضرية، وهو ما أوجد فجوة متزايدة بين حجم الطلب والطاقة الاستيعابية للمواقف.”
ويشير الصالحي إلى أن العديد من المناطق التجارية والخدمية أُنشئت أو توسعت من دون الالتزام الكامل بالمعايير التخطيطية التي تشترط تخصيص نسبة من مساحة المشروع كمواقف للسيارات، ما أدى إلى انتقال الضغط من داخل تلك المشاريع إلى الشوارع والأرصفة المحيطة به”
وهو يؤكد أن الظاهرة تعكس كذلك خللاً في إدارة الفضاء الحضري، يتمثل في ضعف تنظيم الأرصفة وحرم الطرق، وقصور الرقابة على استغلال الأملاك العامة، إلى جانب تداخل صلاحيات الجهات المعنية بإدارة المرور والبلديات والدوائر الخدمية، وهو ما سمح باستمرار هذه الممارسات واتساعها في عدد من مناطق العاصمة.”
القانون أمام المواقف العشوائيَّة
لا تقف ظاهرة استيفاء الرسوم من المواطنين مقابل الوقوف على الأرصفة أو جوانب الطرق عند حدود الإرباك المروري أو سوء إدارة الفضاء العام، بل تثير أيضاً تساؤلات بشأن الأساس القانوني لهذه الممارسات، وحدود المسؤولية المترتبة على من يحول الأملاك العامة إلى مصدر للكسب من دون تخويل أو سند قانوني.
الخبير القانوني الدكتور إبراهيم السلطاني أكد في هذا السياق “أن استغلال الأرصفة والشوارع والساحات ذات النفع العام لاستيفاء أجور من أصحاب المركبات يمثل اعتداءً على المال العام”،
موضحاً أن “قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 عالج مثل هذه الأفعال، وأن توصيفها القانوني لا يقتصر على كونها مجرد مخالفة إدارية.








