الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
  • About
  • Advertise
  • Careers
  • Contact
Sumerians Iraq
  • الرئيسية
  • سومريون
  • سياسة
  • الأخبار
  • أعمال
  • أقلام حرة
  • تحقيقات
  • تقارير
  • ثقافة
  • لايف ستايل
  • رياضة
  • Login
No Result
View All Result
Sumerians Iraq
Home أقلام حرة

كيف نحمي الإعلام في الديمقراطيات المتراجعة؟

Ahmed Saad by Ahmed Saad
أكتوبر 7, 2026
in أقلام حرة
0
كيف نحمي الإعلام في الديمقراطيات المتراجعة؟
0
SHARES
0
VIEWS
Share on FacebookShare on Twitter


يحمي الإعلام المستقل الديمقراطية حين يضمن وصول المعلومات الموثوقة، ويربط المواطنين بالمؤسسات، ويكشف الفساد وإساءة استخدام السلطة. وتوضح التجارب المقارنة أن صموده يتطلب توزيعًا رقميًا فعالًا، وشبكات مهنية متعاونة، وتمويلًا متنوعًا، وحماية قانونية، وربط تآكل الديمقراطية بالمشكلات اليومية. فالمعركة على الإعلام لم تعد معركة صحافة فقط، بل معركة على…
تبحث المقالة في موقع الإعلام المستقل داخل الديمقراطيات التي تتعرض للتآكل، مبينة أن دوره لم يعد يقتصر على نقل المعلومات، بل أصبح جزءًا من البنية التي تربط بين المقاومة الانتخابية والمؤسسية والشعبية. وتوضح الباحثة مايا تيودور في مجلة الديمقراطية (Journal of Democracy)، من خلال مقارنة تجارب الهند والمجر وبولندا وسريلانكا، أن حماية الإعلام تتطلب كسب معركة التوزيع الرقمي، وبناء شبكات مهنية مستقلة، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير الحماية القانونية، وربط تراجع الديمقراطية بالمشكلات اليومية التي يشعر بها المواطنون.

Related posts

لماذا نخاف النقد أكثر مما نخاف أخطاءنا؟

لماذا نخاف النقد أكثر مما نخاف أخطاءنا؟

أكتوبر 4, 2026
من يحرس الحارس.. معضلة الذكاء الاصطناعي في حماية العالم

من يحرس الحارس.. معضلة الذكاء الاصطناعي في حماية العالم

أكتوبر 1, 2026

وجاء في المقال:

لا تمثل وسائل الإعلام المستقلة مجرد مؤسسة من بين المؤسسات التي تتعرض للهجوم في الديمقراطيات المتراجعة، بل تشكل النسيج الرابط بين أشكال المقاومة الانتخابية والمؤسسية والشعبية التي يعتمد عليها بقاء الديمقراطية. غير أن البيئة الإعلامية تغيرت؛ فالنظام الإعلامي الذي كان يتسم سابقًا بندرة المصادر وتوزع الملكية أصبح اليوم مجزأً وشبكيًا، وتتحكم في تدفقه مجموعة محدودة من المنصات التي تستحوذ على معظم عائدات الإعلان الرقمي.

ومن خلال مقارنة التراجع الديمقراطي في المجر والهند وبولندا وسريلانكا، يتبين أن التآكل كان أشد عمقًا حيث نجحت الحكومات في السيطرة على النظم الإعلامية الرقمية. فقد بنى الحزب الحاكم في الهند «آلة» دعائية عبر تطبيق واتساب، بينما لم تحقق الحكومة المجرية هيمنة مماثلة على المجال الرقمي، وهو ما ترك مساحة لصعود بيتر ماغيار وتحديه السياسي.

وتنبثق من هذه المقارنة خمسة دروس رئيسية: كسب معركة توزيع المحتوى الرقمي، وبناء نظم إعلامية شبكية قبل الحاجة إليها، وتنويع نماذج تمويل الإعلام، وتطوير بنية قانونية للدفاع عنه، وربط تآكل المؤسسات الديمقراطية بالمشكلات اليومية التي يشعر بها المواطنون. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الصحافة ستبقى، بل ما إذا كان الإعلام المستقل لا يزال قادرًا على مساعدة المواطنين في اكتشاف مصالحهم المشتركة والتحرك من أجلها.

يمثل تآكل الديمقراطية في بلدان كان يُنظر إليها سابقًا بوصفها قصص نجاح ديمقراطي أحد أخطر التهديدات التي واجهتها الديمقراطية خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين. فقد وصل رؤساء ورؤساء حكومات شعبويون وقوميون إثنيون إلى السلطة عن طريق الانتخابات، ثم شرعوا في تقويض المؤسسات الديمقراطية مستخدمين ما أصبح يُعرف على نطاق واسع بـ«دليل العمل السلطوي»: ترهيب وسائل الإعلام، وتعيين الموالين، وتهميش موظفي الخدمة المدنية المهنيين، ومضايقة الخصوم السياسيين، وتقويض استقلال البيروقراطية، وإضعاف المساحات التي تحتضن النقاش العام والعمل الجماعي، بما في ذلك الجامعات.

نعرف الكثير عن أسباب التراجع الديمقراطي المعاصر.[1] فقد أشار الباحثون إلى تصاعد اللامساواة، وتفاقم الاستقطاب العاطفي، والتقنيات الرقمية التي تقودها الخوارزميات نحو المحتوى المشحون عاطفيًا، إلى جانب صعود فاعلين سياسيين قادرين على استغلال هذا الواقع الجديد.

وحددت الأدبيات البحثية ثلاثة أشكال يمكن من خلالها للفاعلين المدافعين عن الديمقراطية مقاومة التحول السلطوي. أولها المقاومة الانتخابية، التي يقودها سياسيون معارضون يبنون ائتلافات قادرة على إزاحة الحكومات القائمة عبر صناديق الاقتراع. وثانيها المقاومة المؤسسية، التي يقودها القضاة والمشرعون والبيروقراطيون والمسؤولون في الحكومات دون الوطنية، ممن يقاومون شخصنة السلطة ويحافظون على المساءلة الديمقراطية. وثالثها المقاومة الشعبية، التي يقودها المواطنون وفاعلو المجتمع المدني من خلال التعبئة والاحتجاج وكشف مخالفات الحكومات.[2]

لكن اهتمامًا أقل وُجه إلى المؤسسة التي تربط بين هذه الأشكال الثلاثة من المقاومة الديمقراطية: الإعلام المستقل. فالمقاومة الانتخابية والمؤسسية والشعبية تعتمد جميعًا على حصول المواطنين على معلومات موثوقة، وقدرتهم على تنسيق العمل الجماعي، ومحاسبة من هم في السلطة.

ويتيح الإعلام المستقل كل شكل من أشكال هذه المقاومة. فالمنظمات الإعلامية المستقلة تكون أكثر ميلًا إلى تقديم تقارير دقيقة عن تفضيلات المواطنين، وهو ما يوفر بدوره معلومات للمسؤولين المنتخبين والمرشحين السياسيين، الذين يتعين عليهم أخذ هذه التفضيلات في الحسبان إذا أرادوا الاحتفاظ بمناصبهم أو الفوز بها. وفي الواقع، تميل الديمقراطيات إلى تقديم خدمات ومنافع عامة أفضل، من انخفاض وفيات الرضع إلى انخفاض مستويات العنف السياسي، ويرجع ذلك بدرجة كبيرة إلى تحسن تدفقات المعلومات.[3]

ويلعب الإعلام اليوم دورًا أكبر في تشكيل السياسة الديمقراطية مما كان عليه قبل عدة عقود. فخلال معظم القرن العشرين، كانت النظم الإعلامية في الديمقراطيات تتكون من عدد محدود نسبيًا من الصحف ومحطات الإذاعة والقنوات التلفزيونية التي تنقل المعلومات بين النخب السياسية والمواطنين. لكن منذ تسعينيات القرن الماضي، شهد النظام الإعلامي العالمي ثلاثة تحولات حاسمة يتعين على المدافعين عن الديمقراطية فهمها إذا أرادوا حماية الإعلام المستقل في عصر التراجع الديمقراطي.

من الندرة المشتركة إلى الوفرة المتشظية
أول هذه التحولات هو انتقال النظام الإعلامي من الندرة المشتركة إلى الوفرة المتشظية. ففي السابق لم يكن سوى عدد محدود من محطات الإذاعة أو الصحف ينقل المعلومات، لكن تطور الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي والنشر الرقمي أدى مجتمعة إلى خفض تكاليف إنتاج الأخبار وتوزيعها بصورة هائلة.

وفي عام 1995، كان أقل من 1 في المئة من سكان العالم يستخدمون الإنترنت، بينما كان معظم سكان العالم يعتمدون على وسائل البث التقليدية. أما اليوم، فإن نحو ثلاثة أرباع البشرية متصلون بالإنترنت، حيث يمكنهم الوصول إلى آلاف القنوات التلفزيونية والصحف والمواقع الإلكترونية والمدونات الصوتية ومجموعات المراسلة وتدفقات وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد أدت وفرة وسائل الإعلام، الناتجة أساسًا من انخفاض الحواجز أمام إنتاج المحتوى باستخدام الهاتف الذكي، إلى إضفاء طابع ديمقراطي على المشاركة الإعلامية.

لكن هذه الوفرة أسهمت أيضًا في تفتيت النظام الإعلامي، لأن «وفرة المعلومات تنتج فقرًا في الانتباه».[4] فطوفان المعلومات يعني أن الأفراد يعتمدون بصورة متزايدة على آليات تصفية توزع الجماهير على مجتمعات معلوماتية منفصلة قد تتفاعل فيما بينها أو لا تتفاعل.

وإذا كانت وسائل الإعلام التقليدية، من صحف وإذاعة وتلفزيون، تشبه ساحة مدينة يلتقي فيها معظم المواطنين بالمتحدثين والنقاشات نفسها، فإن المجال الإعلامي الرقمي يشبه مبنى يضم آلاف الغرف المترابطة، لكل منها حواراتها الخاصة. وهكذا يمكن لمزيد من الأصوات أن تشارك، لكن عددًا أقل من المواطنين يشتركون في النقاش نفسه.

من تقديم المعلومات إلى الاتصال الشبكي
أما التحول الثاني فهو انتقال النظام الإعلامي من تقديم المعلومات إلى الاتصال الشبكي، بما يطمس الحدود بين الاتصال والتنظيم.

كانت وسائل الإعلام التقليدية تنقل المعلومات أساسًا من الصحفيين والنخب السياسية إلى جماهير واسعة. أما الإعلام الرقمي فقد مكّن المواطنين ليس فقط من استهلاك المعلومات، بل من إنتاجها ونشرها وتفسير الأحداث السياسية على المستوى الشعبي.

ويتيح الاتصال الشبكي القاعدي للأفراد والجماعات تنسيق العمل وبناء الائتلافات وتعبئة المؤيدين.

ولهذا أصبحت الاتصالات السياسية الناجحة تعتمد اليوم أولًا على الوصول إلى شبكات قادرة على العمل الجماعي والحفاظ عليها. وقد بينت تجارب تمتد من احتجاجات الربيع العربي في مصر عام 2011 إلى احتجاجات «أراغالايا» في سريلانكا عام 2022، وكذلك تجارب فاعلين سياسيين مثل بيتر ماغيار في المجر وزهران ممداني في نيويورك، اللذين فازا بمناصب في عام 2026، أن الإعلام الرقمي يستطيع أن يكون أداة للتعبئة السياسية بقدر ما هو أداة لنشر المعلومات. لقد أصبح الإعلام نفسه بنية تحتية حاسمة للتنظيم السياسي.

من توزيع الملكية إلى تركّز المنصات
أما التحول الثالث، وعلى نحو يبدو متناقضًا مع الوفرة الإعلامية، فهو انتقال النظام الإعلامي من تشتت الملكية إلى تركّز المنصات.

فعلى الرغم من أن الأفراد يمتلكون اليوم إمكانية الوصول إلى نطاق أوسع من وسائل الإعلام أكثر من أي وقت مضى، فإن توزيع المحتوى يجري عبر عدد محدود من شركات التكنولوجيا.

ويشبه المجال الإعلامي الرقمي اليوم عالمًا يستطيع فيه أي شخص بناء سيارة، لكن معظم الطرق مملوكة لثلاثة عمالقة.

وبحلول عام 2024، كان أكثر من نصف إيرادات الإعلانات الرقمية عالميًا يذهب إلى ثلاث شركات فقط: غوغل وميتا وأمازون.[5]

وتمارس هذه المنصات تأثيرًا كبيرًا في ظهور المعلومات وانتشارها من خلال أنظمة التوصية الخوارزمية التي تشكل ما يراه المستخدمون وما يتفاعلون معه وما يشاركونه.

وبدافع إبقاء المستخدمين على منصاتها لأطول وقت ممكن لتعظيم عائدات الإعلانات، صممت غوغل وميتا وأمازون وغيرها من الشركات الرقمية بنى منصاتها بما يضخم المحتوى الاستقطابي الذي يجذب الانتباه ويسهم في زيادة الاستقطاب العاطفي.[6]

وقد غيرت هذه التحولات طبيعة التحدي الذي يواجه المدافعين عن الديمقراطية في المجال الإعلامي. فإذا كانت حماية الإعلام المستقل تعني سابقًا حماية الصحفيين من الرقابة والتدخل السياسي، فإن على المدافعين عن الديمقراطية اليوم أن ينافسوا في أسواق انتباه مجزأة، ويبنون شبكات اتصال دائمة، ويتعاملوا مع منصات رقمية شديدة التركّز، وفي الوقت نفسه يحمون الصحفيين من أشكال متزايدة التعقيد من الضغوط القانونية والاقتصادية.

ونعلم أن منع ترسخ السلطوية يتطلب غالبًا التحرك خلال العقد الأول، أو تقريبًا خلال أول دورتين انتخابيتين، من صعود قائد غير ليبرالي. لكننا نعرف أقل بكثير عن الكيفية الفعالة لمقاومة إغلاق المجال أمام الإعلام المستقل أثناء فترات التراجع الديمقراطي، وعن الجهات الأقدر على القيام بذلك.

فما الذي يستطيع ناشطو الديمقراطية في البيئات التي تتدهور فيها الديمقراطية القيام به لحماية وسائل الإعلام المستقلة؟

وللمساعدة في الإجابة عن هذا السؤال، أدرس النظم الإعلامية في أربعة بلدان شهدت تراجعًا ديمقراطيًا خلال العقدين الماضيين. شهدت بولندا وسريلانكا تراجعًا ديمقراطيًا متوسطًا، في حين شهدت الهند والمجر تراجعًا حادًا، مع أن انتخابات المجر في أبريل/نيسان 2026 أنهت ستة عشر عامًا من حكم فيكتور أوربان لحكومة أخذت تتجه نحو السلطوية.

ويُقاس التراجع الديمقراطي في هذه البلدان جزئيًا بانخفاض عدد مصادر المعلومات المستقلة وازدياد تركّز ملكية الإعلام؛ إذ شهدت الهند مستوى مرتفعًا من إغلاق المجال الإعلامي، وشهدت المجر مستوى متوسطًا إلى مرتفع، فيما شهدت بولندا وسريلانكا مستوى متوسطًا.

وتكشف مقارنة ما حدث في هذه الدول طوال فترة التراجع الديمقراطي، وما قامت به الحكومات والصحفيون، وفي بعض الحالات منصات التواصل الاجتماعي، عن خمسة دروس مترابطة لحماية الإعلام المستقل في الديمقراطيات المتراجعة.

الدرس الأول: اربح معركة التوزيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وإلا خسرت الحرب
ساد طويلًا افتراض مفاده أن الصحفيين إذا تمكنوا من التحقيق في الفساد وكشف الانتهاكات وتقديم معلومات دقيقة، فإن المساءلة الديمقراطية ستتحقق تلقائيًا. لكن في البيئة الإعلامية الحالية المشبعة بالمعلومات والشحيحة في الانتباه، لم يعد إنتاج الصحافة المستقلة كافيًا.

فعلى المدافعين عن الديمقراطية أن يضمنوا وصول هذا النوع من التقارير إلى المواطنين في الأماكن التي يستهلكون فيها المعلومات السياسية بصورة متزايدة، أي في الفضاءات الرقمية.[7]

ويظهر اتجاه ملحوظ في الحالات الأربع: كان التآكل الديمقراطي أكثر حدة حيث نجحت الحكومات القائمة في الهيمنة على النظم الرقمية للمعلومات.

وفي هذا الصدد، تقدم المقارنة بين الهند، التي شهدت أكثر حالات إغلاق المجال الإعلامي حدة منذ وصول حزب بهاراتيا جاناتا إلى السلطة عام 2014، والمجر في عهد فيكتور أوربان وحزب فيدس بين عامي 2010 و2026، مثالًا مفيدًا.

فقد حققت الحكومتان نفوذًا كبيرًا على وسائل الإعلام التقليدية، ولا سيما التلفزيون، من خلال زيادة تركّز الملكية.[8]

لكن الحكومة القائمة في الهند أصبحت، إضافة إلى ذلك، مهيمنة بدرجة كبيرة على الفضاءات الإعلامية الرقمية، عبر تنظيم يقوده حزب بهاراتيا جاناتا وينشر الدعاية الحكومية بفاعلية إلى درجة أن كثيرًا من الصحفيين يشيرون إليه ببساطة بوصفه «آلة».

وأصبحت الانتخابات العامة الهندية عام 2019 معروفة باسم «انتخابات واتساب»، وبحلول عام 2024 أفادت تقارير بأن قادة الحزب الحاكم قالوا لصحيفة هندية إن «البنية التحتية لحزب بهاراتيا جاناتا على واتساب قوية إلى درجة تستطيع معها إيصال المعلومات من دلهي إلى أي مكان في البلاد خلال اثنتي عشرة دقيقة».[9]

ولا تزال الصحافة المستقلة موجودة في المجال الإعلامي الرقمي الهندي، وتواصل مؤسسات مثل ذا واير، وسكرول، وذا كوينت، ونيوز لوندري إنتاج صحافة عالية الجودة.

لكن قدرة الصحافة المستقلة على تحديد جدول الأعمال تراجعت في فضاء رقمي فائض بالمعلومات ومجزأ، وفي بيئة تلجأ فيها الحكومة القائمة بصورة متكررة إلى قطع الإنترنت بالكامل.[10]

وتدرك حكومة حزب بهاراتيا جاناتا جيدًا مركزية الإعلام الرقمي. فقد عزز الحزب تفوقه المالي الهائل بعملية رقمية شديدة التطور.

وخلال انتخابات عام 2024، أنفق الحزب الحاكم على منصات «ميتا» نحو أربعين ضعف ما أنفقه حزب المؤتمر الوطني الهندي المعارض.

لكن أفضلية الحزب لم تكن مالية فحسب، إذ اعتمد أيضًا بصورة كبيرة على الإعلانات الموجهة بدقة، فأنشأ نظامًا منخفض الكلفة وعالي الحجم قادرًا على الوصول إلى الناخبين عبر قنوات تزداد تخصيصًا.

وخلال المرحلة الأولى من انتخابات عام 2024، كان 96 في المئة من إعلانات حزب بهاراتيا جاناتا الرقمية موجهة بدقة إلى شرائح محددة، مقارنة بـ32 في المئة فقط من إعلانات المعارضة.[11]

ووصلت هذه الرسائل مباشرة إلى ملايين المواطنين، متجاوزة في كثير من الأحيان حراس البوابة التقليديين في المؤسسات الصحفية.

وأصبح واتساب وسيلة مركزية للتعبئة السياسية، تتيح للسرديات الحزبية الانتشار بسرعة عبر شبكات شخصية موثوقة. وأصبح من الصعب بصورة متزايدة على الصحافة المستقلة منافسة حجم الاتصالات السياسية الرقمية التي ينتجها الحزب وتعقيدها.

وكما قال أحد المستشارين السياسيين في الهند ساخرًا: «التوزيع أهم من السردية».[12]

وتؤكد المجر، وهي الحالة التالية في شدة التراجع الإعلامي، أهمية المجال الرقمي أيضًا.

فقد كان استحواذ أوربان على وسائل الإعلام التقليدية من خلال إنشاء المؤسسة المركزية الأوروبية للصحافة والإعلام «كيسما» عام 2018 أكثر تنظيمًا بشكل مباشر من الحالة الهندية. فقد «تبرع» عشرات مالكي وسائل الإعلام المؤيدين للحكومة بمؤسساتهم لإنشاء مؤسسة جديدة مرتبطة بصورة وثيقة بحزب فيدس.

وفي النهاية، ضمت «كيسما» مئات المؤسسات، بما في ذلك جميع الصحف اليومية الإقليمية تقريبًا، تحت مظلة تنظيمية واحدة.

لكن حزب فيدس لم يحقق، خلافًا لحزب بهاراتيا جاناتا، مستوى مماثلًا من السيطرة على الإعلام الرقمي.

وعملت الحكومة بجد لبناء حضورها على الإنترنت من خلال شبكات المؤثرين[13] وإنشاء مركز ميغافون الذي روّج للمحتوى المؤيد للحكومة على فيسبوك، أكثر منصات التواصل استخدامًا في المجر.

لكن الصحفيين المستقلين والمؤسسات الإعلامية تكيفوا بصورة جماعية مع البيئة التي أصبحت أكثر تقييدًا، ولذلك ظل المجال الرقمي في المجر أكثر تنافسية.

وأصبحت أهمية هذه البنية الإعلامية المستقلة واضحة لاحقًا عندما برز بيتر ماغيار منافسًا لحزب فيدس عام 2024.

فقد تمكن ماغيار من بناء جمهور واسع بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويعود ذلك جزئيًا إلى وجود بنية إعلامية رقمية مستقلة واسعة سبقت ظهوره.

وظهرت أولى مقابلاته الكبرى على منصات أمضت سنوات في بناء الثقة والجمهور خارج وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وخلال سنوات التراجع الديمقراطي في بولندا تحت حكم حزب القانون والعدالة بين عامي 2015 و2023، ظل الإعلام التقليدي والرقمي أكثر تعددية مما كان عليه في الهند أو المجر.

وحافظت مؤسسات خاصة كبرى مثل غازيتا فيبورتشا وتي في إن على استقلالها التحريري وواصلت تحدي السرديات الحكومية.

وفي الوقت نفسه، عززت مؤسسات مثل المنصة الإخبارية المستقلة على الإنترنت OKO.press، التي تأسست عام 2016 استعدادًا لاحتمال زيادة إغلاق المجال الإعلامي خلال الحكومة الثانية لحزب القانون والعدالة، النظام الإعلامي المستقل قبل أن يقع الإغلاق.

وأظهر التعافي الديمقراطي في بولندا عام 2023 أهمية وجود بيئة معلوماتية قادرة على الوصول إلى المواطنين عبر منصات رقمية متعددة.

أما التراجع الديمقراطي في سريلانكا بين عامي 2019 و2022 فلم يقترن بمستويات مماثلة من تركّز الملكية أو سيطرة الحكومة على الفضاءات الإعلامية الرقمية.

وقد دفعت الرقابة على وسائل الإعلام الرئيسية خلال الحرب الأهلية التي استمرت 26 عامًا بين 1983 و2009، وترهيب الصحافة المستقلة في عهد حكومة ماهيندا راجاباكسا بين عامي 2005 و2015، كثيرًا من السريلانكيين إلى استخدام المنصات الرقمية مصدرًا للمعلومات الأكثر موثوقية.

فعلى سبيل المثال، أتاح موقع صحافة المواطن غراوندفيوز، الذي أُطلق عام 2006، مساحة للتعليق العام على قضايا تجاهلت وسائل الإعلام الرئيسية تناولها، من بينها انتهاكات الحكومة أثناء الحرب الأهلية.

ومع أن الصحفيين واجهوا الترهيب، ولجأت الحكومة دوريًا إلى إغلاق المنصات لأنها لم تكن تسيطر على الفضاء الرقمي، فإنها لم تطور قط القدرة على تشكيل النظم المعلوماتية عبر الإنترنت بالفاعلية التي وصلت إليها الحكومتان الهندية والمجرية.

وخلال احتجاجات «أراغالايا» المناهضة للحكومة عام 2022، التي طالبت بـ«تغيير النظام» في سريلانكا، أتاحت الانفتاحات النسبية في المجال الرقمي للناشطين والصحفيين والمنظمات المدنية استخدامه أداة قوية للتنسيق والتعبئة.

وتبين الحالات الأربع أن القدرة على الهيمنة على النظام الإعلامي الرقمي ارتبطت بقوة بزيادة حدة التراجع الديمقراطي.

ومع بقاء الإعلام المستقل في التلفزيون والإذاعة والصحافة الورقية مهمًا بدرجات متفاوتة، وارتباط تركّز ملكية الإعلام باستمرار بتراجع ديمقراطي أشد، فإن القادة السياسيين والناشطين والجماعات الذين أتقنوا تقديم المعلومات وتوزيعها في الفضاء الرقمي اكتسبوا أفضلية حاسمة في مواجهة الحكومات المتراجعة ديمقراطيًا.

وبينما يظل إنتاج صحافة موثوقة ضروريًا، لم يعد باستطاعة المدافعين عن الديمقراطية النظر إلى توزيع الإعلام باعتباره مشكلة منفصلة.

فضمان وصول الصحافة المستقلة إلى المواطنين وقدرتها على المنافسة على الانتباه والثقة والظهور داخل الفضاءات الرقمية هو الطريق لكسب معركة الإعلام المستقل.

الدرس الثاني: ابنِ نظمًا إعلامية شبكية قبل أن تحتاج إليها
الوقت المناسب لبناء نظام إعلامي مستقل هو قبل وقت طويل من اللحظة التي يصبح فيها ضروريًا لحماية المؤسسات الديمقراطية.

فرأس المال الاجتماعي، أو النسيج الرابط بين المحررين والمراسلين، مهم لأنه يساعدهم على العمل بصورة منسقة عندما يظهر تهديد.

ومن خلال التفاعل المتكرر وتطوير المنظمات المهنية، يبني العاملون في الإعلام المستقل الثقة بين المؤسسات المتنافسة، وهو ما يسهل تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات القانونية، وتغيرات الملكية، وتكتيكات الحكومة، والقصص التي تتجاهلها وسائل الإعلام الموالية للحكومة أو تقمعها.

وتوفر هذه الشبكات فرصًا للتعلم الجماعي، وتمكن الصحفيين من التكيف مع الأشكال الجديدة للضغط السياسي.

وربما الأهم أنها تخفض كلفة التنسيق عندما تصبح الاستجابة الجماعية السريعة ضرورية.

فعندما يتواصل الصحفيون بصورة منتظمة، ويثق بعضهم ببعض، ويشتركون في فهم مشترك للتهديدات التي تواجه حرية الإعلام، يصبحون أكثر قدرة بكثير على الرد من مؤسسات تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.

ويقدم الإضراب الإعلامي البولندي في فبراير/شباط 2021 مثالًا على ذلك.

فعندما اقترحت حكومة حزب القانون والعدالة ضريبة جديدة على الإعلانات، نُظر إليها على نطاق واسع بوصفها تهديدًا للتعددية الإعلامية، نسقت عشرات القنوات التلفزيونية ومحطات الإذاعة والصحف والمواقع الإلكترونية احتجاجًا إعلاميًا واسعًا.

وأوقفت القنوات التلفزيونية برامجها المعتادة، واستبدلت الصحف صفحاتها الأولى برسائل تدافع عن حرية الإعلام، وغيرت محطات الإذاعة برامجها، وأظلمت مواقع إلكترونية كبرى في وقت واحد، مستخدمة شعارات مثل «إعلام بلا خيار» لإظهار تأثير الضريبة المخطط لها في عائدات الإعلانات.[14]

ولم يكن الاحتجاج لافتًا بسبب نطاقه الوطني فحسب، بل لأن مجموعة واسعة من المؤسسات المتنافسة كانت مستعدة وقادرة على التحرك معًا.

واجتذب الإضراب اهتمام وسائل الإعلام الدولية، ما ضاعف من مداه.

وأرسل العمل الجماعي رسالة واضحة مفادها أن الاعتداء على مؤسسة واحدة سيُعامل باعتباره تهديدًا للمشهد الإعلامي بأكمله.

واستطاعت المؤسسات الإعلامية البولندية تنسيق رد موحد، على الرغم من تنافسها، لأنها أمضت سنوات في بناء علاقات مهنية والاستجابة لتهديدات مشتركة.

وقبل عام 2021، انتقلت أجيال من الصحفيين بين مؤسسات مثل «غازيتا فيبورتشا» و«تي في إن» و«بوليتيكا» و«آر إم إف إف إم» و«أونيت»، وتعاونوا في التحقيقات، وحضروا المنتديات المهنية نفسها، وطوروا علاقات تجاوزت حدود غرف الأخبار الفردية.

ومع تسارع التراجع الديمقراطي في عهد حزب القانون والعدالة، أمضى الصحفيون المستقلون سنوات في تغطية النزاعات المتعلقة باستقلال القضاء، والإعلام العام، وحرية الإعلام، والمعايير الدستورية.

وتحرك هؤلاء الصحفيون ضد محاولات تسييس الإعلام العام في عامي 2015 و2016.

وأنشأت هذه اللقاءات عادات من التعاون، وعززت فهمًا مشتركًا بأن التهديد الموجه إلى مؤسسة واحدة يمكن أن يهدد في نهاية المطاف النظام الإعلامي الأوسع.

وعندما اقترحت حكومة حزب القانون والعدالة تشريع «ليكس تي في إن» عام 2021، كانت مؤسسات إعلامية مستقلة كثيرة قد أصبحت تنظر إلى الهجمات على التعددية الإعلامية باعتبارها مشكلة جماعية لا فردية، وتصرفت وفق ذلك.[15]

وأظهر الصحفيون المجريون تضامنًا مماثلًا، وإن كان في ظروف هيكلية أصعب.

فقد حدث تركّز واسع للملكية الإعلامية بالفعل قبل استهداف المواقع الإخبارية المستقلة، الأمر الذي أعاق العمل الجماعي. لكن هذا لم يمنع المبادرات الجماعية داخل المؤسسات المستقلة، مثل موقع إندكس، أحد أكثر المواقع الإخبارية قراءة في المجر.

وتوقع محررو «إندكس» أن تستهدف حكومة أوربان الصحافة المستقلة، فأنشؤوا عام 2018 «مقياس الاستقلال» لمراقبة الحرية التحريرية للموقع.

وعُرض المقياس بصورة بارزة في الصفحة الرئيسية، مستخدمًا سلمًا لونيًا للإشارة إلى وضع الاستقلال التحريري.

وما إن اشترى رجل الأعمال ميكلوش فاسيلي، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره قريبًا من أوربان، حصة كبيرة في الشركة المسؤولة عن عائدات إعلانات «إندكس» عام 2020، حتى نقل المحررون المؤشر إلى الفئة الحمراء: «في خطر».[16]

وبعد أشهر قليلة، عندما أقال الرئيس التنفيذي للمؤسسة رئيس التحرير سابولتش دول، مدعيًا أنه سرّب وثيقة داخلية، استقالت الغالبية العظمى من صحفيي غرفة الأخبار خلال يومين، ودعت المعارضة السياسية إلى مسيرة احتجاجية جذبت اهتمامًا واسعًا إلى تقلص المجال الإعلامي في المجر.[17]

وبدل أن يتفرق الصحفيون السابقون في «إندكس»، سارعوا إلى إنشاء موقع تيليكس المستقل الملكية، الذي ورث قدرًا كبيرًا من مصداقية «إندكس» وجمهوره.

وأصبح «تيليكس»، إلى جانب «بارتيزان» و«ديريكت 36»، جزءًا من النظام الأوسع للإعلام الرقمي المستقل في المجر، وهو نظام لم يكتف بإنتاج الأخبار، بل بُني على التزام مشترك بالحفاظ على قنوات بديلة للاتصال والنقاش العام.

لكن هذا التعاون ظهر في المجر بعد أن كان تركّز الإعلام قد غيّر بالفعل جزءًا كبيرًا من بيئة المعلومات.

فإذا كان الاحتجاج الواسع للصناعة الإعلامية في بولندا قد بيّن قيمة بناء القدرة الجماعية عبر وسائل الإعلام قبل أن يصبح الضغط ساحقًا، فإن احتجاج «إندكس» على مستوى المؤسسة أظهر أن مبادرات العمل الجماعي الأصغر يمكنها هي الأخرى الحفاظ على قدر من القدرة الإعلامية المستقلة.

وكان التضامن داخل النظام الإعلامي المستقل في سريلانكا أضعف منه في بولندا، لكنه كان آخذًا في النمو.

وبعد انتهاء الحرب الأهلية عام 2009، طور الصحفيون شبكات مهنية من خلال منظمات مثل حركة الإعلام الحر و«غراوندفيوز»، أتاحت لهم تبادل استراتيجيات التغطية والمعلومات بشأن التهديدات، وبناء علاقات ثقة في بيئة تهيمن عليها وسائل إعلام تقليدية موالية للحكومة.

وعلى الرغم من أن المؤسسات الرقمية لم تمتلك مدى الوصول والعمق المؤسسي الموجود لدى نظيراتها البولندية، فإنها ظلت قنوات تتداول من خلالها المعلومات والخبرة والمعرفة التنظيمية.

وعندما اندلعت احتجاجات «أراغالايا» عام 2022 بعد أسوأ أزمة اقتصادية شهدتها البلاد منذ الاستقلال عن الحكم البريطاني عام 1948، أتاحت هذه العلاقات السابقة للصحفيين التواصل والارتباط بسرعة.

فأزمة 2022 لم تنشئ تلك الشبكات، بل منحتها سببًا لتفعيلها.

أما النظام الإعلامي الهندي شديد التشظي، والمنقسم بحسب اللغة والمنطقة والجمهور، فيقدم أوضح تناقض مع المجر.

وأصبح هذا التشظي أكثر أهمية مع تركز وسائل الإعلام التقليدية في أيدي ملاك متحالفين مع الحكومة.

وعلى النقيض من المغادرة الجماعية التي شهدها «إندكس» المجري، لم يؤد استحواذ تكتل تجاري قريب من الحكومة على إحدى القنوات الإخبارية المستقلة الكبرى في الهند إلى تحرك جماعي منسق.

فعندما اشترت مجموعة أداني قناة إن دي تي في عام 2022، لم يحدث رد جماعي من غرفة الأخبار ولا من القطاع الإعلامي بأكمله.

وغادر الصحفيون القناة بصورة فردية، بعضهم بسرعة، وبعضهم الآخر خلال العام التالي. ولم تظهر مؤسسة وريثة تستحوذ على جمهور «إن دي تي في» بالكيفية التي ورث بها «تيليكس» جانبًا كبيرًا من مصداقية «إندكس».[18]

وتسعى الحكومات في كثير من الأحيان إلى عزل الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بعضهم عن بعض.

ولذلك فإن دعم الصحافة المستقلة في مثل هذه السياقات يتطلب أكثر من مجرد الإبقاء على مؤسسات مستقلة منفردة.

وتشير مقارنة الحالات الهندية والمجرية والبولندية والسريلانكية إلى أن حماية الإعلام المستقل تتطلب أيضًا بنية من العلاقات تسمح للصحفيين بالثقة بعضهم ببعض، وتبادل المعلومات، والتعلم الجماعي.

وقد أدت القدرة على التنسيق عبر الحدود المؤسسية، كما فعل الإعلام المستقل في بولندا عام 2021، إلى رفع كلفة الضغط الحكومي بدرجة كبيرة.

وفي المجر وسريلانكا إلى حد ما، وفي الهند بدرجة أكبر، جعل تشظي الإعلام مثل هذا النوع من العمل الجماعي المنسق أكثر صعوبة.

ويتطلب بناء نظام إعلامي شبكي سنوات من التجربة وبناء الثقة قبل أن تصبح مثل هذه الشبكات ذات أهمية سياسية.

وحيثما وُجدت هذه البنية، كان الإعلام المستقل أكثر قدرة بكثير على الاستفادة من فرص التغيير السياسي.

الدرس الثالث: ابنِ نماذج تمويل تتفادى استحواذ الحكومة
يتميز التراجع الديمقراطي المعاصر بالاستخدام المتطور للضغط الاقتصادي من جانب الحكومات القائمة من أجل تشكيل بيئات إعلامية مواتية لها.

فبدلًا من اعتقال الصحفيين مباشرة، تستخدم الحكومات أدوات أكثر خفاءً، مثل مكافأة المؤسسات الموالية بعائدات الإعلانات، ووضع أطر تنظيمية تضر بالأصوات الناقدة، أو فرض الضرائب على الإعلام المستقل.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يتحول الاعتماد المالي على الحكومة بسهولة إلى اصطفاف سياسي.

وقد اعتمدت قدرة الإعلام المستقل على البقاء في الحالات الأربع، ليس فقط على اختراق المجال الرقمي أو وجود شبكات مهنية منسقة، بل أيضًا على الوصول إلى مصادر دخل مستقلة ومستدامة.

وفي بولندا، كان التمويل البديل للإعلام المستقل راسخًا قانونيًا وثقافيًا.

فقد احتفظت مؤسسات كبرى مثل «تي في إن» و«غازيتا فيبورتشا» و«آر إم إف إف إم» و«أونيت» بجماهير كبيرة، وعائدات إعلانية، ودخل من الاشتراكات، وفي بعض الحالات بملكية دولية، رغم سنوات التراجع الديمقراطي في عهد حزب القانون والعدالة.

وعندما حاول الحزب استخدام القانون لمضايقة الإعلام المستقل، كانت هذه المؤسسات تمتلك موارد مالية كافية لمواصلة العمل أو إيجاد وسائل جديدة للاستمرار.

فعلى سبيل المثال، أصبحت OKO.press منظمة ذات منفعة عامة عام 2019، مستفيدة من مسار قانوني يسمح لدافعي ضريبة الدخل بتخصيص 1.5 في المئة من إجمالي التزامهم الضريبي السنوي لمثل هذه المنظمات.

وأقنعت «OKO.press» قراءها بالتبرع من خلال تغطية الموضوعات التي لم تكن وسائل الإعلام التقليدية الواقعة تحت سيطرة الحكومة مستعدة لتغطيتها، واعتماد الشفافية المالية الجذرية، بما في ذلك نشر تقرير سنوي عن الإيرادات وإخضاع الحسابات لتدقيق مستقل كل عام.

كما أصبحت بارعة في شرح قيمتها للقراء. ففي أحد أكثر مقاطع الفيديو شعبية عام 2023، أدرجت رسالة من المحرر تقول: «مقابل 1.5 في المئة من الضرائب ستحصلون على 100 في المئة من صحافة OKO.press. ربحكم = 98.5 في المئة».[19]

ومن خلال مثل هذه التبرعات والنداءات، تحقق المؤسسة نحو 30 في المئة من ميزانيتها التشغيلية.

وبالمثل، نجح الإعلام المستقل في المجر في البقاء من خلال بناء بنى مالية يصعب على الحكومة السيطرة عليها.

فبعد انهيار «إندكس» عام 2020، مثلًا، تبرع نحو 25 ألف شخص لموقع «تيليكس» خلال خمسة أيام من إطلاقه.

واعتمدت مؤسسات مستقلة أخرى مثل «بارتيزان» و«ديريكت 36» و«أتلاتسو» بصورة متزايدة على العضويات والتمويل الجماعي والتبرعات الصغيرة والدعم الخيري بدلًا من أسواق الإعلانات التي شوّهها الإنفاق الحكومي.

واعتمد كثير من هذه المؤسسات شفافية مالية واسعة، فنشرت مصادر تمويلها علنًا، وبنت جماهير تنظر إلى دعم الصحافة المستقلة بوصفه مسؤولية مدنية، لا مجرد خيار استهلاكي، محولة القراء والمشاهدين إلى أصحاب مصلحة ملتزمين باستقلال الإعلام.

وتقدم سريلانكا مثالًا مختلفًا لكنه لا يقل أهمية على أشكال الدعم الإبداعي للإعلام المستقل، من خلال الاستعانة الجماعية بصحافة المواطنين.

فخلال احتجاجات «أراغالايا»، أصبح آلاف المشاركين منتجين للمحتوى الإعلامي.

وكان المحتجون العاديون يستخدمون بصورة منتظمة «فيسبوك لايف» ويوتيوب وتويتر وإنستغرام لتوثيق الأحداث، وبث الخطب، والإبلاغ عن تحركات الشرطة، وتنسيق الاحتجاجات.

وفي الوقت نفسه، كان صحفيون محترفون وناشطون ومصممون ومترجمون وآخرون يقدمون مهاراتهم وجهدهم من دون مقابل مالي، بما ساعد على الحفاظ على نظام معلوماتي موزع قلل الاعتماد على المؤسسات الإعلامية التقليدية.

وفي غالي فيس غرين، الحديقة الساحلية الكبيرة في كولومبو التي يقع فيها مكتب الرئيس وكانت قلب مخيم الاحتجاج الذي أسقط الحكومة القائمة، أصبح مركز إعلامي دولي يديره متطوعون عقدة رئيسية لتوزيع المعلومات ذات القيمة الخبرية.[20]

واستفادت حركة «أراغالايا» من المساهمات الواسعة والإبداعية في الخبرة الاتصالية أكثر مما استفادت من التمويل المستقل المباشر.

وأصبحت أهمية هذه التغطية واضحة عندما حاولت السلطات مرارًا تقييد الوصول إلى منصات التواصل الكبرى خلال الاحتجاجات، وهي محاولات قصيرة العمر لم تؤد إلا إلى زيادة حدة المظاهرات.

وكان المبدأ المشترك بين هذه الحالات أن تنويع التمويل أسهم في الحفاظ على استقلال الإعلام، سواء من خلال العضويات، أو الاشتراكات، أو العمل الخيري، أو المنح، أو التمويل الجماعي، أو الدعم العيني.

وكلما ازداد اعتماد وسائل الإعلام في بلد ما على عائدات الإعلانات التي تتوسط فيها الحكومة، ازدادت هشاشتها أمام الضغط السياسي.

الدرس الرابع: ابنِ دروعًا قانونية حول الإعلام المستقل وعززها
لم تعد حكومات كثيرة تشهد تراجعًا ديمقراطيًا بحاجة إلى إغلاق الصحف، أو سجن المحررين، أو فرض الرقابة الرسمية على التغطية.

وبدلًا من ذلك، تعتمد بصورة متزايدة على أدوات قانونية وتنظيمية تبدو شرعية إجرائيًا، لكنها تقيد حرية الإعلام فعليًا.

فدعاوى التشهير، والتحقيقات الضريبية، وتشريعات مكافحة الإرهاب، ومتطلبات الترخيص، والإجراءات القانونية المرهقة المستخدمة بصورة استراتيجية، تستطيع جميعها زيادة كلفة الصحافة المستقلة من دون إثارة الإدانة الدولية المرتبطة بالرقابة المباشرة.

وفي هذه البيئة، تتطلب حماية حرية الإعلام مؤسسات قانونية قادرة على الدفاع عن الصحفيين الشجعان.

ولم تعتمد قدرة الإعلام على الصمود في جميع الحالات على الوصول إلى المحامين فحسب، بل، خصوصًا عندما كان القمع الحكومي ممنهجًا، على وجود بنية أوسع للدفاع القانوني.

وضمت هذه البنية منظمات قانونية متخصصة، ومحامين متخصصين في التقاضي الاستراتيجي، وجمعيات مهنية، ومحامين يعملون للمصلحة العامة، وشبكات قانونية عابرة للحدود تستطيع رفع الكلفة السياسية والسمعية للضغط الحكومي.

ويحتاج الإعلام المستقل إلى مراسلين ومحررين، لكنه يحتاج بصورة متزايدة، في عصر توظيف الأدوات القانونية كسلاح، إلى فاعلين قانونيين قادرين على حشد الحماية.

وتوضح الهند لماذا أصبحت مثل هذه الدروع القانونية ضرورية لحماية الإعلام.

فالصحفيون المستقلون يعملون بصورة متزايدة في بيئة تشكلها دعاوى التشهير، وتشريعات مكافحة الإرهاب، والرقابة التنظيمية، والإجراءات القانونية الممتدة.[21]

ولا يكون هدف كثير من هذه الإجراءات الحصول على إدانة بالضرورة، بل الاستنزاف؛ لأن حتى القضايا التي تفشل تستهلك الوقت والمال والقدرة التنظيمية.

وخلال فترة حكمها، عدلت حكومة مودي واستخدمت قانون الأنشطة غير القانونية لعام 1967، المعدل عام 2019، وقانون منع غسل الأموال لعام 2002، الذي عُدل بصورة كبيرة في أعوام 2015 و2018 و2019، بطريقة «حوّلت هذين القانونين إلى سلاحين يجري استخدامهما عشوائيًا ضد الصحفيين والخصوم السياسيين والناشطين الاجتماعيين».[22]

ونتيجة لذلك، يتعين على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بصورة متزايدة تخصيص موارد للدفاع القانوني كان يمكن استخدامها في العمل الصحفي.

وقد واجهت مؤسسات مستقلة مثل «ذا واير» و«نيوز لوندري» و«نيوزكليك» تحديات قانونية وتنظيمية متكررة، كما تعرض صحفيون للاعتقال وإجراءات قضائية متعددة.

وفي مواجهة ذلك، أصبح المحامون المتخصصون في قضايا حرية الصحافة والحريات المدنية مكونًا أساسيًا في البنية الديمقراطية للهند.

وتوضح سريلانكا دينامية مشابهة. فخلال احتجاجات «أراغالايا» عام 2022، تدخلت نقابة المحامين في سريلانكا مبكرًا وبصورة علنية للطعن في الاعتقالات التعسفية، ومراقبة إجراءات الحكومة، والدفاع عن حقوق المحتجين والناشطين. وكان لهذا الدعم أهمية عملية ورمزية في الوقت نفسه.

فعمليًا، رفع كلفة القمع من خلال الإشارة إلى أن الاعتقالات والقيود ستواجه بالطعن القانوني. ورمزيًا، أوصل رسالة مفادها أن الحركة تحظى بدعم مؤسسات مهنية محترمة، وليست مجرد نشاط هامشي سياسيًا.

ومن خلال إبراز أن المحتجين يحظون بالدعم، ساعد العاملون في المجال القانوني على توسيع القاعدة الاجتماعية للحركة. ويبين تدخلهم كيف تستطيع المؤسسات القانونية الإسهام، ليس فقط في حماية الناشطين فرادى، بل في الحفاظ على تعبئة ديمقراطية أوسع.

وفي المجر، ومع تزايد الصعوبات التي واجهها الصحفيون المستقلون في الحصول على المعلومات والتحقيق في الفساد، أصبحت منظمات مثل الاتحاد المجري للحريات المدنية ولجنة هلسنكي المجرية من الجهات الأساسية في الدفاع عن حرية الصحافة.

وكانت هذه المنظمات تمثل الصحفيين بصورة منتظمة في النزاعات المتعلقة بالحصول على المعلومات، وتدعم الدعاوى القضائية ضد الهيئات الحكومية، وتطعن في القيود التي تمس الصحافة الاستقصائية.

وعلى الرغم من أن مثل هذه الانتصارات القانونية نادرًا ما تحظى بالاهتمام الذي تجتذبه الانتخابات أو الاحتجاجات، فإنها أسهمت في الحفاظ على المساحة المؤسسية التي تستطيع الصحافة المستقلة مواصلة العمل داخلها.

وتوضح بولندا أيضًا أهمية المؤسسات القانونية العابرة للحدود.

فخلال فترة حكم حزب القانون والعدالة، استفادت وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني ليس فقط من الخبرة القانونية المحلية، بل أيضًا من الوصول إلى مؤسسات قانونية أوروبية تقع خارج نطاق السيطرة المباشرة للحكومة، مثل لجنة البندقية ومحكمة العدل الأوروبية.

وساعدت منظمات ومؤسسات قانونية، بينها مؤسسة ستيفان باتوري البولندية، على تنسيق الخبرة القانونية والدفاع عن المؤسسات الديمقراطية التي تعرضت للضغط.

وعلى نطاق أوسع، رفعت الطعون في الإصلاحات القضائية التي أجراها حزب القانون والعدالة أمام المؤسسات الأوروبية الكلفة السياسية لتقويض الرقابة المستقلة.

كما أظهرت المناقشات المتعلقة بمحاولات إضعاف القنوات المستقلة كيف تستطيع الرقابة القانونية والدولية الحد من محاولات الاستيلاء على الإعلام.

وتشير تجربة بولندا إلى أن الدروع القانونية يمكن أن تكون وطنية وعابرة للحدود في الوقت نفسه، وأن الوصول إلى المؤسسات القانونية الخارجية يوفر حماية مهمة من التراجع الديمقراطي.

وتوضح هذه الحالات مجتمعة أن التآكل الديمقراطي المعاصر يتقدم غالبًا عبر آليات قانونية وإدارية، لا عبر الرقابة المباشرة وحدها.

وتسعى الحكومات بصورة متزايدة إلى إضعاف الإعلام المستقل أو تدميره عبر ألف جرح صغير بدلًا من إغلاقه علنًا، مستفيدة من مظهر الشرعية القانونية.

وفي مثل هذه الظروف، لا يمكن ارتجال الدفاع القانوني بعد بدء الضغط.

فحماية الإعلام المستقل تتطلب نظامًا قائمًا ودائمًا من المحامين، ومنظمات الحريات المدنية، والجمعيات المهنية، والمتخصصين في التقاضي الاستراتيجي، قادرًا على الطعن في إجراءات الحكومة وزيادة كلفة القمع.

وحيثما وُجدت هذه البنية القانونية قبل تسارع التراجع الديمقراطي، أثبتت المؤسسات الإعلامية قدرة أعلى بكثير على الصمود.

أما حيث كانت ضعيفة أو غائبة، فقد وجدت الحكومات سهولة أكبر في استخدام القانون نفسه أداةً للسيطرة على الإعلام.

الدرس الخامس: اربط التراجع الديمقراطي بالمشكلات الأساسية للمواطنين
من أسباب صعوبة حماية المدافعين عن الديمقراطية للإعلام المستقل أن المواطنين نادرًا ما يعيشون التهديدات التي تواجه حرية الإعلام بصورة مباشرة.

فمعظم الناس لا يستيقظون صباحًا وهم قلقون بشأن استقلال القضاء، أو الضوابط والتوازنات الدستورية، أو التعددية الإعلامية.

بل يختبرون الحكومة من خلال المدارس والمستشفيات والوظائف والأسعار والسلامة العامة والنقل والفرص الاقتصادية.

ولذلك لا تصبح سرديات التراجع الديمقراطي ذات قوة سياسية إلا عندما يستطيع المواطنون رؤية كيفية تأثيرها في حياتهم اليومية.

وتشير الحالات المدروسة هنا إلى أن الاختراقات الديمقراطية تحدث عندما يربط السياسيون والجماعات المعارضة تآكل الديمقراطية بنتائج يستطيع المواطنون ملاحظتها واختبارها في حياتهم.

ويلعب الإعلام المستقل دورًا تمكينيًا حاسمًا، لأن على الصحفيين والناشطين والقادة السياسيين أن يشرحوا كيف تؤدي هذه التطورات إلى تدهور الخدمات العامة، والصعوبات الاقتصادية، وانعدام الأمن، أو تقييد الحرية الشخصية.

وتوضح المجر هذه الدينامية بأكبر قدر من الوضوح.

فعلى مدى سنوات، وثق الصحفيون الاستقصائيون والسياسيون المعارضون الفساد وامتيازات النخبة في عهد حكومة فيكتور أوربان.

لكن هذه الكشوف وحدها لم توقف التراجع الديمقراطي في المجر.

ولم تصبح القصة ذات أثر سياسي واضح إلا عندما ربط المواطنون بين التضخم المتزايد، وتدهور الخدمات العامة، وضعف تمويل المدارس، والضغط الذي تعانيه المستشفيات، وبين الفساد.

وبرع بيتر ماغيار بصورة خاصة في إظهار الطريقة التي تتحول بها إخفاقات الحكم والفساد إلى نتائج اجتماعية مرئية.

فعلى سبيل المثال، زار مستشفيات حكومية تعاني أنظمة تكييف معطلة خلال موجة حر صيفية، وربط مباشرة بين فشل حكومة فيدس في الحفاظ على مستوى جيد للمستشفيات وبين خسارة المجر أموالًا من الاتحاد الأوروبي بسبب الفساد وتراجع استقلال القضاء وحرية الإعلام.[23]

وهكذا بدأت سردية التراجع الديمقراطي تعني شيئًا للمواطنين عندما أمكن ربطها مباشرة بأجنحة المستشفيات المكتظة، والمدارس المتعثرة، وانخفاض مستويات المعيشة.

وتوضح بولندا بصورة مماثلة كيف اتحد الائتلاف الواسع الذي هزم حكومة حزب القانون والعدالة المتراجعة ديمقراطيًا عام 2023 حول قلق متزايد من أن إضعاف المؤسسات الديمقراطية يسبب مشكلات ملموسة.

فعلى سبيل المثال، لم تُعرض القيود التي فرضتها المحكمة الدستورية على حقوق الإجهاض باعتبارها خلافًا قانونيًا فقط، بل دليلًا على أن المحاكم الواقعة تحت السيطرة السياسية تتخذ قرارات شديدة الخصوصية بشأن حياة النساء من دون إمكانية ديمقراطية حقيقية للطعن فيها.

وحشدت احتجاجات إضراب النساء عددًا كبيرًا من الناخبين الشباب الذين ربما كانوا سيبقون بعيدين عن السياسة.

ولم تكن مسيرة المليون قلب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 مجرد احتجاج على إجراءات دستورية، بل مظاهرة جماهيرية ضد نظام سياسي شعر كثير من المواطنين بأنه لم يعد يستجيب لمخاوفهم.

وأصبحت الديمقراطية مهمة لأن الناس رأوا كيف يؤثر تآكل المؤسسات في حياتهم اليومية.

وفي سريلانكا، كان الفساد والمحسوبية والتوسع في سلطات السلطة التنفيذية في عهد حكومة راجاباكسا موضع نقاش لسنوات قبل ظهور حركة «أراغالايا» عام 2022.

وكان الصحفيون المستقلون ومنظمات المجتمع المدني يحذرون مرارًا من إخفاقات الحوكمة وتركيز السلطة.

لكن هذه المخاوف ظلت ثانوية سياسيًا إلى أن حولت الأزمة الاقتصادية إخفاقات الحكومة إلى تجربة يعيشها المواطنون يوميًا.

فامتدت طوابير الوقود كيلومترات، وطالت انقطاعات الكهرباء، وحدث نقص في الأدوية والغذاء، وارتفع التضخم بقوة، كما تسبب الحظر الكارثي للأسمدة في مشقة هائلة للمواطنين العاديين.

وعندما بدأ الناشطون وسياسيو المعارضة ووسائل الإعلام المستقلة والمنصات الرقمية مثل «غراوندفيوز» يكررون أن الانهيار الاقتصادي كان نتيجة الفساد وسوء الإدارة وغياب المساءلة الفعالة، لم يعد الفساد مجرد نقاش نخبوي.

واعتمد نجاح حركة «أراغالايا» على المظالم الاقتصادية من جهة، وعلى قدرة الإعلام والفاعلين المدنيين على ربط تلك المظالم بالإخفاقات الأوسع في الحكم الديمقراطي من جهة أخرى.

وحتى في الهند، حقق الوعي العام بالتراجع الديمقراطي أكبر قدر من الانتشار عندما ارتبط بتهديدات يومية محددة.

فأكثر حركات الاحتجاج الجماهيري نجاحًا خلال حكم ناريندرا مودي حتى الآن، وهي حركة المزارعين بين عامي 2020 و2021، لم تحشد الناس حول مخاوف مجردة بشأن تراجع الديمقراطية.

بل ربطت مسائل الحوكمة بالمخاوف المباشرة بشأن سبل العيش، والأسواق الزراعية، والأمن الاقتصادي.

وجادل قادة الاحتجاج بأن امتناع الحكومة عن التشاور مع المزارعين وإصرارها على تمرير تشريعات مثيرة للجدل يهددان مصادر رزق ملايين الأسر الريفية.[24]

وأصبحت مسائل التمثيل والمساءلة ذات أهمية سياسية لأنها ارتبطت مباشرة بالدخل والديون والأمن الاقتصادي.

وكان نجاح الحركة قائمًا على قدرتها على ربط المظالم الإجرائية بالمظالم المادية.

وعبر الحالات الأربع كلها، تحرك المواطنون للدفاع عن المؤسسات الديمقراطية عندما نجح الفاعلون السياسيون في ربط تآكل الديمقراطية بمخاوف الحياة اليومية.

وأظهرت الحركات الديمقراطية الناجحة كيف يسمح الاستيلاء على الإعلام بالفساد، وكيف يؤدي الفساد إلى تدهور الخدمات العامة، وكيف تحرم المحاكم الضعيفة المواطنين من طرق الإنصاف.

ولعب الإعلام المستقل دورًا حاسمًا في هذه العملية.

فالتراجع الديمقراطي لا يصبح ذا أثر سياسي إلا عندما يساعد الصحفيون والناشطون والقادة السياسيون المواطنين على فهم الكيفية التي تشكل بها الإخفاقات المؤسسية المشكلات التي يواجهونها يوميًا.

كسب الصراع على الإعلام
لم تعد حماية الإعلام المستقل اليوم تعني فقط منع الرقابة أو الدفاع عن الصحفيين في مواجهة التدخل السياسي المباشر.

ففي عصر الوفرة الرقمية، والاتصال الشبكي، وتركّز المنصات، يتعين على الإعلام المستقل أن ينافس على الانتباه، وأن يصمد أمام الضغط الاقتصادي والقانوني، وأن يربط المواطنين بعضهم ببعض داخل بيئات معلوماتية تتزايد فيها حالة التشظي.

والدروس الخمسة الأساسية المستخلصة من تجارب المجر والهند وبولندا وسريلانكا هي: كسب معركة التوزيع الرقمي، وبناء نظم إعلامية شبكية قبل الحاجة إليها، وتنويع نماذج تمويل الإعلام، وتطوير بنية تحتية للدفاع القانوني، وربط تآكل المؤسسات بالمشكلات اليومية للمواطنين.

وتكتسب هذه الدروس أهمية حاسمة في وقف التراجع الديمقراطي لأن الإعلام المستقل أكثر من مجرد مؤسسة تنقل المعلومات للمواطنين؛ إنه جزء من البنية التحتية نفسها التي تتشكل من خلالها الائتلافات الديمقراطية وتتحرك.

ويمكن للصحافة الاستقصائية أن تكشف الفساد وإساءة استخدام السلطة، لكن المعلومات وحدها نادرًا ما تنتج تغييرًا سياسيًا.

فلا بد أن تصل المعلومات إلى المواطنين، وأن تنتشر عبر شبكات موثوقة، وأن تصمد أمام الضغوط الاقتصادية والقانونية، وأن ترتبط بالمشكلات اليومية للمواطنين.

وقد حققت الحكومات المتراجعة ديمقراطيًا أكبر قدر من النجاح عندما أدركت البيئة الإعلامية المتغيرة واستغلتها، عبر السيطرة على قنوات التوزيع، والهيمنة على البيئات الإعلامية الرقمية، وتركيز الملكية، وتفتيت الجماهير، وعزل المنتقدين بعضهم عن بعض.

وعلى المدافعين عن الديمقراطية أن يتعلموا التكيف.

فالسؤال الذي يواجه الديمقراطية لم يعد ببساطة ما إذا كانت الصحافة المستقلة ستنجو.

بل أصبح السؤال هو ما إذا كان الإعلام المستقل سيواصل مساعدة المواطنين على اكتشاف المصالح المشتركة، وتنسيق العمل الجماعي، ومحاسبة السلطة.

وفي الديمقراطيات المعاصرة، فإن الصراع على الإعلام هو، في نهاية المطاف، صراع على من يمتلك حق رواية قصة الحياة العامة، وما إذا كان المواطنون سيحتفظون بالقدرة على التحرك بناءً على تلك القصة.

………………………………..
*مايا تيودور أستاذة السياسة والسياسات العامة في كلية بلافاتنيك للحكم، وزميلة في كلية سانت هيلدا بجامعة أكسفورد. وأحدث كتبها هو تنويعات القومية، بالاشتراك مع هاريس ميلوناس، الصادر عام 2023.
**المصدر: مجلة الديمقراطية – المجلد 37، العدد 4، أكتوبر/تشرين الأول 2026 – مطبعة جامعة جونز هوبكنز
الهوامش والمراجع:

  1. راشيل بيتي ريدل وآخرون، «التراجع الديمقراطي والصمود والمقاومة»، World Politics، المجلد 77، العدد 1، الملحق، 2025، ص 151–177.
  2. جوناثان بينكني وكلير تريلينغ، «تفكيك ركائز دعم التراجع الديمقراطي»، Mobilization: An International Quarterly، قيد النشر.
  3. مايا تيودور، «ما الذي تفعله الديمقراطية… وما الذي لا تفعله»، Journal of Democracy، المجلد 36، أكتوبر/تشرين الأول 2025، ص 5–20.
  4. هربرت أ. سايمون، «تصميم المنظمات لعالم غني بالمعلومات»، ضمن كتاب الحواسيب والاتصالات والمصلحة العامة، تحرير مارتن غرينبرغر، بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 1971، ص 37–72.
  5. ريفز بيرنر، «تركّز سوق تقنيات الإعلان: لماذا تسيطر ثلاث شركات على 56 في المئة من عائدات الإعلانات العالمية»، 8 مارس/آذار 2026.
  6. جوشوا أ. تاكر وآخرون، «وسائل التواصل الاجتماعي والاستقطاب السياسي والتضليل السياسي: مراجعة للأدبيات العلمية»، مؤسسة ويليام وفلورا هيوليت، مارس/آذار 2018.
  7. رينيه دي ريستا وراشيل كلاينفيلد، «لكي تكون الخبرة مؤثرة، تحتاج المؤسسات غير الحزبية إلى استراتيجيات اتصال جديدة»، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، سبتمبر/أيلول 2025.
  8. ر. سرينيفاسان، «كيف شددت الشركات الهندية العملاقة قبضتها على الإعلام»، The Wire، 3 مايو/أيار 2024.
  9. سريشتي جاسوال، «داخل آلة واتساب التابعة لحزب بهاراتيا جاناتا»، مركز بوليتزر، 15 مايو/أيار 2024.
  10. هانا إليس بيترسن وآكاش حسن، «أداة للسيطرة السياسية: كيف أصبحت الهند الدولة الأولى عالميًا في قطع الإنترنت»، الغارديان، 25 سبتمبر/أيلول 2023.
  11. بافان كورادا، «كيف أصبحت انتخابات الهند لعام 2024 حربًا بين عوالم رقمية: تقرير CSDS»، The Wire، 12 أغسطس/آب 2025.
  12. جاسوال، «داخل آلة واتساب التابعة لحزب بهاراتيا جاناتا».
  13. ليلي روتاي، «تعرّف إلى مؤثري فيدس: شخصيات الإنترنت التي تحاول استمالة الناخبين الشباب في المجر»، إذاعة أوروبا الحرة/راديو الحرية، 1 أبريل/نيسان 2022.
  14. جون هنلي، «كان هذا برنامجكم المفضل: الإعلام البولندي ينظم احتجاجًا بالتعتيم رفضًا لتهديد الضريبة»، الغارديان، 10 فبراير/شباط 2021.
  15. دانيال تيليس، «الآلاف يحتجون على قانون ملكية الإعلام الذي يستهدف أكبر شبكة تلفزيونية خاصة في بولندا»، Notes from Poland، 19 ديسمبر/كانون الأول 2021.
  16. غابور بولياك وأغنيس أوربان، «المجر: بلد واحد ونظامان إعلاميان»، الفصل الثامن في كتاب بوصلة الإعلام: دليل للمشاهد الإعلامية الدولية، هوبوكن، نيوجيرسي: جون وايلي وأولاده، 2025، ص 70–83.
  17. منشور حساب «Index.hu» على تويتر، إكس حاليًا، 22 يوليو/تموز 2020؛ وبابلو غوروندي، «العشرات يستقيلون من الموقع الإخباري الرئيسي في المجر بعد إقالة المحرر»، وكالة أسوشيتد برس، 24 يوليو/تموز 2020.
  18. فيديا كريشنان، «ملياردير وشبكة تلفزيونية ومعركة الصحافة الحرة في الهند»، Nieman Reports، 24 يوليو/تموز 2024.
  19. صوفيا بادالكو، «كيف حققت OKO.press البولندية أكثر من نصف مليون يورو من تبرعات ضرائب القراء»، The Fix، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
  20. روكي فرناندو، «الصحفيون ينهضون خلال موجة الاحتجاج»، Groundviews، 19 أبريل/نيسان 2022.
  21. حنان ظفار وجيوتي ثاكور، «كيف تستخدم الحكومة الهندية القوانين لإسكات الصحفيين وترهيبهم»، الشبكة الدولية للصحفيين، 14 مايو/أيار 2024.
  22. الصحفي بارانجوي ثاكورتا، مقتبسًا في ظفار وثاكور، «كيف تستخدم الحكومة الهندية القوانين لإسكات الصحفيين وترهيبهم».
  23. بيتر دلوبوليك وآخرون، «موجز الديمقراطية: نقاش ساخن بشأن مستشفيات المجر»، Reporting Democracy، 16 أغسطس/آب 2024.
  24. كاميرون ميراندا، «قوانين المزارعين: تفسير احتجاجات المزارعين في الهند»، LawShun، 9 سبتمبر/أيلول 2025.
Post Views: 7
Previous Post

شاحنات الأخشاب تشعل الجدل في دهوك.. من أين جاءت الأشجار؟

RECOMMENDED NEWS

الداخلية: القضاء أصدر 26 حكمًا بالإعدام بحق تجار مخدرات

الداخلية: القضاء أصدر 26 حكمًا بالإعدام بحق تجار مخدرات

6 أشهر ago
في النجف الأشرف.. توثيق زيارة الأربعين عبر منظومة إعلامية متكاملة

في النجف الأشرف.. توثيق زيارة الأربعين عبر منظومة إعلامية متكاملة

شهرين ago
للمرة الأولى في العراق.. زراعة ذي قار تطبق آلية الحجز المسبق لتسليم القمح

للمرة الأولى في العراق.. زراعة ذي قار تطبق آلية الحجز المسبق لتسليم القمح

5 أشهر ago
شرطة الديوانية تحبط تهريب 120 ألف حبة مخدرة عبر بالون طائر

شرطة الديوانية تحبط تهريب 120 ألف حبة مخدرة عبر بالون طائر

5 أشهر ago

BROWSE BY CATEGORIES

  • Uncategorized
  • أ‘عمال
  • أخبار
  • أخبار عاجلة
  • أقلام حرة
  • تحقيقات
  • تحقيقات
  • تقارير
  • ثقافة
  • رياضة
  • رياضة
  • سومريون
  • سياسة
  • لايف ستايل
  • محليات
  • محليات اخبار عاجلة

BROWSE BY TOPICS

2018 League Balinese Culture Bali United Budget Travel Champions League Chopper Bike Doctor Terawan Istana Negara Market Stories National Exam Visit Bali

POPULAR NEWS

  • النائب ناظم الاسدي يقدم جملة من المقترحات التي تخصص الاتمتة والحوكمة

    النائب ناظم الاسدي يقدم جملة من المقترحات التي تخصص الاتمتة والحوكمة

    0 shares
    Share 0 Tweet 0
  • تركيا.. أكثر من 700 حريقاً في 10 أيام يلتهم الغابات ويشرد السكان

    0 shares
    Share 0 Tweet 0
  • ميسي يكشف كواليس علاقته مع رونالدو

    0 shares
    Share 0 Tweet 0
  • كيف لا تنتهي الحروب

    0 shares
    Share 0 Tweet 0
  • العراق يشارك بمنتدى حوارات البحر المُتوسِّط في ايطاليا

    0 shares
    Share 0 Tweet 0
Sumerians Iraq

جميع الحقوق محفوظة © لحركة سومريون - العراق 2025

Navigate Site

  • About
  • Advertise
  • Careers
  • Contact

تابعنا

Welcome Back!

OR

Login to your account below

Forgotten Password?

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Log In
No Result
View All Result
  • Home
  • سياسة
  • أخبار
  • أ‘عمال
  • ثقافة
  • National
  • رياضة
  • لايف ستايل
  • Travel
  • أقلام حرة
  • تقارير
  • تحقيقات
  • رياضة

جميع الحقوق محفوظة © لحركة سومريون - العراق 2025