تشهد الأهوار العراقية حالياً بارقة أمل جديدة مع استعادة نحو 32% من مساحاتها المستهدفة، وذلك في أعقاب الموجة المطرية الأخيرة التي أدت إلى ارتفاع مناسيب نهري دجلة والفرات.
هذا التحسن الملحوظ يمثل خطوة استراتيجية نحو إنقاذ واحد من أهم النظم البيئية المدرجة على لائحة التراث العالمي، بعد سنوات قاسية من الجفاف الذي هدد التنوع الأحيائي وسبل عيش آلاف الأسر في جنوب العراق.
الموجة المطرية الأخيرة
وكشفت منظمة طبيعة العراق عن استعادة نحو 32% من مساحات الأهوار العراقية المستهدفة وفق الهدف المعلن لعام 2005، متوقعةً بلوغ 50% من الهدف الإجمالي البالغ 5,600 كيلومتر مربع، وذلك في أعقاب الموجة المطرية الأخيرة وارتفاع مناسيب نهري دجلة والفرات.
وتأتي هذه المعطيات بعد سنوات من التحديات المتراكمة التي فرضتها التغيرات المناخية وأزمة المياه على أهوار محافظات ذي قار وميسان والبصرة خلال السنوات الخمس الماضية.
وكان نحو 90% من مساحات أهوار ذي قار قد تعرّض للجفاف، فيما عانت مئات القرى من شح حاد في المياه، ونزح أكثر من 10 آلاف أسرة من مناطق سكناها، وفقد معظم أهالي الأهوار مصادر رزقهم المتمثلة بالزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي، فضلاً عن تفاقم ظاهرتَي التصحر والعواصف الغبارية.
عودة المياه إلى أهوار جنوب العراق
وقال المدير الإقليمي لمنظمة طبيعة العراق، الناشط البيئي المهندس جاسم الأسدي، إنه “بعد خمس سنوات من الجفاف الشديد عادت المياه مجدداً إلى أهوار جنوب العراق بصورة متفاوتة عبر نهري الفرات ودجلة ومصادر أخرى”.
مشيراً إلى أن هور الحويزة الذي يعتمد على نهر دجلة قد رُفد بكميات من المياه والسيول غير المسيطر عليها من الجانب الإيراني، إضافة إلى مياه عابرة من ناظم المشرح وناظم الكحلاء بفروعه الثلاثة: الحسيجي وأم الطوس والزبير.
وأشار الأسدي إلى ارتفاع ملحوظ في مناسيب مياه هور الحويزة والبركة البغدادية التي كانت جافة تماماً حتى وقت قريب من العام الماضي، قائلاً إن تلك المناطق باتت تحتضن كميات هائلة من المياه “حتى إنها تسببت في كسر بعض السدود الواقية للقرى الشرقية من هور الحويزة”.
ورأى أن المساحة الجافة في مثلث العَكَر/فاطمة/نهايات حلاب تحتاج إلى رفع الإطلاقات بما لا يقل عن 100 متر مكعب في الثانية، وإزالة الحواجز الترابية في المجرى العميق لتيسير تدفق المياه.
وأوضح الأسدي أن الكميات المُطلقة من سد الموصل تُقدَّر بنحو ملياري متر مكعب، يتجه قسم منها إلى بحيرة الثرثار فيما يغذي القسم الآخر مجرى نهر دجلة، غير أن مياه دجلة المغذية للأهوار الوسطى لا تزال قليلة ولا تتجاوز 60 متراً مكعباً في الثانية، تُطلق عبر اتجاهين: الأول عبر ناظم البتيرة فالخمس فأبو عشرة بنحو 53 متراً مكعباً في الثانية، والثاني عبر قناة رقم 4 بواقع 7 أمتار مكعبة في الثانية.
استغلال حوض نهر العز
وتطرق الأسدي إلى استغلال حوض نهر العِز في الزراعة وتربية الأسماك، مبيناً أن ذلك قد يحول دون تمرير كميات كافية من مياهه وقنواته الفرعية إلى الأهوار الوسطى، ودعا إلى تمرير كميات أكبر عبر ناظم الخمس لقدرته على استيعابها وإيصالها إلى قلب تلك الأهوار.
وفيما يخص نهر الفرات، وصف الأسدي الكميات المغذية لمناطق الأهوار بالقليلة، مشيراً إلى أن قامة الفرات في قضاء الجبايش تبلغ 77 سنتيمتراً عن مستوى سطح البحر، وأن الكميات العابرة لحدود السماوة باتجاه الناصرية لا تتجاوز 70 متراً مكعباً في الثانية، فيما يُقدَّر خزين مياه الفرات في سد حديثة بأقل من ملياري متر مكعب حالياً. وأقرّ بوجود تحسن في مناسيب الفرات، لكنه أكد أنها “دون مستوى الطموح”.
ولفت الأسدي إلى أن معظم حصاد المياه لم يُوجَّه إلى مناطق الأهوار، بل صُرف نحو بحيرة الثرثار ضمن خطة تشغيل المركز الوطني لإدارة المياه، مقترحاً إطلاق كميات أكبر نحو الأهوار الوسطى للحدّ من مخاطر التبخر الصيفي والمتغيرات المناخية.
ونبّه إلى أن اعتماد خطة زراعة الأرز في العراق، ولا سيما في مناطق الفرات الأوسط، قد يفضي إلى تجاوزات على الحصص المائية المقررة مستقبلاً.
وخلص الأسدي إلى أن نسب الإغمار الحالية في مناطق الأهوار في ارتفاع مطّرد، وأن التنوع الأحيائي أخذ بالتحسن، مشيراً إلى أن المعطيات الرسمية تتوقع تجاوز نسبة 50% من مساحات الهدف المعلن، وهو ما يبقى رهيناً بجودة إدارة المياه من قبل الجهات المعنية.
تغذية أهوار الجبايش
ودعا الأسدي إلى إطلاق مزيد من مياه دجلة لتغذية أهوار الجبايش التي تعتمد حالياً بصورة رئيسة على الفرات، معتبراً أن ذلك يمثل “الجريان الطبيعي” الذي كانت تقوم عليه منظومة تغذية الأهوار تاريخياً، وأفاد بأنه طرح هذا الرأي على المسؤولين في وزارة الموارد المائية آملاً في أخذه بعين الاعتبار.
في المقابل، أشار إلى صعوبة تغذية هور الحمار الغربي على النحو المطلوب كونه يعتمد على الفرات ومياه البزل في المصب العام التي توفر له كميات محدودة وغير كافية.
وكانت مصادر بيئية وحكومية قد كشفت في أواسط تشرين الأول 2025 عن تراجع خطير في الثروة السمكية بمناطق الأهوار، إذ هوت كميات الأسماك المسوَّقة من أهوار الجبايش من نحو 150 طناً يومياً إلى أقل من 5 أطنان، وفقد 90% من الصيادين مصادر دخلهم.
وفي الفترة ذاتها، كشفت البيانات الرسمية عن نفوق أكثر من 15 ألف رأس جاموس ونحو ألفَي رأس من الأبقار في محافظة ذي قار خلال ثلاث سنوات فقط، فيما اقتصر الدعم الحكومي على مبادرة رئاسية تقضي بتجهيز المربين بحصة مجانية واحدة من أعلاف النخالة والمولاس قدرها 45 كيلوغراماً.
وبمناسبة اليوم العالمي للأراضي الرطبة في 2 شباط 2026، أكد ناشطون ومسؤولون في ذي قار تراجع المخزون السمكي بواقع 97%، ونفوق آلاف رؤوس الجاموس، وتسجيل أكثر من 50 ألف نازح جراء شح المياه والمتغيرات المناخية.








