يعتمد للاقتصاد العراقي، بشكل مفرض على القطاع النفطي، حيث تتجه الرؤية الحكومية الحالية نحو معالجة الاختلالات الهيكلية التي رافقت إدارة هذا الملف لعقود، عبر تبني استراتيجيات جديدة تهدف إلى تحقيق التوازن بين مستويات الإنتاج ومتطلبات التسويق العالمي، بما يضمن تعظيم الإيرادات وتعزيز كفاءة الاستثمار في الموارد المصاحبة.
تطوير الغاز المصاحب والبنى التحتية
وفي هذا السياق، يؤكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن التركيز التاريخي انصبّ على تعظيم إنتاج النفط الخام بوصفه المصدر الأسرع للإيرادات، مقابل تراجع الاهتمام بجوانب مكمّلة لا تقل أهمية، مثل تطوير الغاز المصاحب وتعزيز البنى التحتية الداعمة لعمليات الاستخراج.
وأوضح أن هذا النهج أسهم في تكريس نموذج غير متكامل، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى وجود توجهات حكومية لإعادة التوازن بين حلقات الصناعة النفطية.
تحديات التخطيط والبعد الجيوسياسي
ويرى خبراء اقتصاديون أن ضعف التخطيط الاستراتيجي شكّل أحد أبرز أسباب هذه الاختلالات، في ظل غياب رؤية طويلة الأمد قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية.
كما بقيت سياسات التسويق تقليدية ومحدودة، ولم تستثمر بشكل كافٍ في البعد الجيوسياسي للنفط، رغم تحوّله إلى أداة تأثير اقتصادي وسياسي في العلاقات الدولية.
ومع ذلك، بدأت الجهات المعنية، بحسب مختصين، بمراجعة سياسات التسويق والانفتاح على خيارات أكثر تنوعاً تتلاءم مع طبيعة السوق العالمية المتغيرة.
توسيع منافذ التصدير والقدرات اللوجستية
وانعكس هذا القصور على مرونة العراق في التعامل مع الأزمات، إذ أدت محدودية الخيارات التسويقية وضعف البنية اللوجستية إلى ارتفاع التكاليف وتزايد المخاطر عند حدوث اضطرابات إقليمية أو عالمية.
كما أن محدودية منافذ التصدير وقدرات التخزين ضيّقت هامش المناورة الاقتصادية.
إلا أن هذه التحديات دفعت صنّاع القرار إلى تبنّي توجهات جديدة تستهدف توسيع البنية التحتية وتعزيز قدرات التخزين، بما يسهم في تقليل الضغوط الخارجية مستقبلاً.
واقع النقل البحري والأسطول الوطني
ويبرز النقل البحري كأحد التحديات، في ظل غياب أسطول وطني متكامل لناقلات النفط.
وتشير عميد كلية اقتصاديات الأعمال في جامعة النهرين، نغم حسين، إلى أن العراق، رغم إنتاجه أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً، لا يزال يعتمد على استئجار ناقلات أجنبية عبر شركة تسويق النفط (سومو)، ما يحدّ من قدرته على تعظيم العوائد.
لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن هناك خطوات حكومية لتوسيع أسطول الناقلات، وهو ما يمثل تطوراً إيجابياً في هذا المجال.
فرص الاستثمار في الخدمات البحرية
وأضافت حسين أن ناقلات النفط العراقية تواجه تحديات أمنية وهيكلية، من بينها المخاطر في المياه الإقليمية، وتقادم البنية التحتية في الموانئ، فضلاً عن نقص الكفاءات البحرية. غير أن هذه التحديات، بحسب رأيها، تفتح الباب أمام فرص استثمارية كبيرة في مجالات النقل البحري والتدريب والتأهيل، بما يعزز من قدرات العراق التشغيلية مستقبلاً.
آفاق التكامل في الصناعة النفطية
وفي ضوء هذه المعطيات، يحذر مختصون من استمرار الجمود في التفكير الاستراتيجي، مؤكدين ضرورة تبنّي سياسات أكثر ديناميكية تقوم على التنويع والتكامل بين مختلف مكونات الصناعة النفطية. وفي المقابل، يشيرون إلى أن العراق يمتلك مقومات قوية تؤهله لتجاوز هذه التحديات، في مقدمتها احتياطياته الكبيرة وموقعه الجغرافي الاستراتيجي.
وفي المحصلة، ورغم التحديات القائمة، فإن المؤشرات الحالية تعكس بداية تحوّل تدريجي نحو إدارة أكثر كفاءة وتوازناً للقطاع النفطي، بما يفتح المجال أمام العراق لتعظيم عوائده وتعزيز مكانته في أسواق الطاقة العالمية.








