أثارت شاحنات الأخشاب المتحركة في المناطق الحدودية لمحافظة دهوك جدلا واسعا، بعدما تحدث سكان ومصادر محلية عن نقل كميات كبيرة من الأشجار باتجاه تركيا، بينما تؤكد السلطات أن هذه الشاحنات تدخل محملة بالأخشاب من الأراضي التركية عبر منفذ سرزيري.
لكن القضية سرعان ما تحولت إلى روايتين متناقضتين، الأولى نقلها سكان ومصادر محلية تحدثت عن عمليات قطع للأشجار في المناطق الحدودية وتحرك شاحنات محملة بالأخشاب باتجاه مواقع عسكرية تركية، والثانية طرحتها سلطات دهوك وحكومة إقليم كردستان، التي تقول إن الأشجار الظاهرة في المقاطع قطعت داخل الأراضي التركية، وإن الشاحنات التي تشاهد في دهوك تدخل محملة بالأخشاب من تركيا وليس العكس.
استغلال انسحاب حزب العمال
ويقول رئيس منظمة آفيار لحماية البيئة آسو شكاك، إنه فيما يتعلق بقطع الأشجار في دهوك، وخاصة في مناطق بادينان والعمادية وبالا بمحافظة دهوك فالسبب الرئيسي لتدمير الغابات يعود إلى الجيش التركي الذي شقّ طرقاً لقواعده العسكرية خلال العملية العسكرية ضد قوات حزب العمال الكردستاني.
ويضيف أنه “بعد انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني، قطعت القوات التركية مئات الآلاف من الأشجار المعمرة ونقلها إلى المناطق الحدودية التركية، وهذه القضية سيكون لها تأثير على زيادة انبعاثات الأوكسجين وثاني أوكسيد الكاربون، ما يساهم بدوره في تغير المناخ في دهوك وإقليم كردستان”.
ويشدد على أنه “يجب على كل من حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية اتخاذ موقف حازم لمنع تكرار ذلك، والمطالبة بتعويض بيئي من خلال زراعة أشجار مناسبة في محافظة دهوك”.
سلوك عدواني وتجاوز على السيادة
الكاتب والصحفي المختص بالشؤون البيئية خالد سليمان، يؤكد أن هذا الموضوع ليس جديداً وهو مستمر منذ سنوات، وهو سلوك عدواني، وممارسة غير إنسانية تؤدي إلى اختلال في التوازن البيئي، كون الغابات هي مصدر للبيئة والأوكسجين والمياه والأمطار.
ويذكر، أن “أطرافاً داخل حكومة الإقليم تحاول تبرير ممارسات تركيا، وهناك صمت في أربيل وبغداد، في وقت يعاني فيه العراق من أثار التغير البيئي، وبحاجة إلى كل شجرة لتقليل معدلات التصحر والتدهور البيئي”.
ويضيف، أنه “في الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الاتحادية عن السيادة، يطرد الجيش التركي سكان القرى في دهوك ويقطع الأشجار وينقلها إلى تركيا، فهل هذا الأمر لا يشكل خرقاً للسيادة؟”.
نفي رسمي من دهوك
وقال محافظ دهوك علي تتر، في مؤتمر صحفي (4 تشرين الأول أكتوبر)، إن المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لا توثق عمليات قطع أشجار داخل أراضي إقليم كردستان، مؤكداً أن عمليات القطع التي تظهر فيها جرت داخل الأراضي التركية.
وأوضح، أن الجهات المعنية في حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية تابعت القضية لعدة أيام، وأن الأدلة المتوفرة لديها تشير إلى أن مناطق القطع تقع داخل الأراضي التركية، وليس في المناطق الحدودية داخل الإقليم.
وبحسب تتر، فإن تحديد موقع الأشجار لا يعتمد فقط على تفسير الصور، وإنما على مقارنة الطرق والتضاريس وأرقام لوحات المركبات والجغرافية المحيطة بالموقع.
وأكد أن الأخشاب التي تقطع في الجانب التركي تدخل إلى إقليم كردستان عبر منفذ سرزيري الحدودي، وإن سكان المناطق المحيطة بالمنفذ يستطيعون مشاهدة حركة الشاحنات.
كما قال مسؤول شعبة الإعلام في مديرية شرطة الغابات في دهوك بهاء سالم علي، إن مفارز الشرطة، وخصوصاً مركز شرطة كاني مآسي، تتابع حركة هذه الشاحنات منذ فترة، وإن عدداً منها أُوقف وخضع للتحقيق والتدقيق.
12 شاحنة يومياً باتجاه تركيا
وبحسب شوان سورجي وهو مختار سكني في قضاء العمادية بمحافظة دهوك، فإن الشاحنات تتحرك من مناطق جبلية من بينها متين ودركلا ميسابك وخانكي وباروخي، باتجاه مناطق توجد فيها مواقع ونقاط عسكرية تركية وتحديداً في مناطق بالا وكاني مآسي.
ويوضح، أن “الجيش التركي استغل انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني من غابات جبال كار ومتين في دهوك وبدأ ينقل يومياً بين 5 و12 شاحنة محملة بالأخشاب في المناطق الحدودية القريبة من تركيا”.
ويكشف عن أنه “فقط خلال 10 فقط تم نقل أكثر من 150 شاحنة محملة بالأخشاب والأشجار من المناطق الجبلية في دهوك إلى المناطق الحدودية القريبة من زاخو والعمادية باتجاه الأراضي التركية”.
غطاء نباتي وحماية التربة
وتشير دراسة علمية حديثة عن الغابات الطبيعية في محافظة دهوك إلى وجود أنواع من بينها الصنوبر البروتي، والبلوط، والزعرور، والبرقوق البري، والعرعر.
كما بحثت الدراسة 28 منطقة من غابات دهوك، وبينت اختلاف أعمار وأحجام الأشجار وتكوين الغطاء النباتي، بما يعكس وجود منظومة غابية متعددة المراحل العمرية.
وتكتسب أشجار البلوط والصنوبر أهمية خاصة في البيئة الجبلية في دهوك، لأنها لا توفر الغطاء النباتي فقط، وإنما تسهم في حماية التربة من الانجراف، وتوفير موائل للحياة البرية، والحفاظ على التنوع الحيوي.
أشجار نادرة ومعمرة
إلى ذلك، يدعو عضو لجنة الزراعة في برلمان كردستان هيرش إسماعيل إلى ضرورة التحرك العاجل والسريع من قبل حكومة الإقليم، للسيطرة على عملية قطع الأشجار ونقلها من محافظة دهوك.
ويبين، أن “أشجار محافظة دهوك تصنف على أنها أغلبها أشجار معمرة ونادرة، ويستوجب الحفاظ عليها، وأي تجاوز على تلك الأشجار يعاقب بشدة، وفق القوانين البيئية المعمول بها في الإقليم والعراق”.
ويتابع، أنه “يتوجب تحرك سريع وعلى أعلى المستويات من الإقليم وبغداد، بهدف الحفاظ على غابات دهوك، وإيقاف أي عمليات لقطع ونقل الأخشاب، باعتبارها ثروة وطنية، حالها حال النفط وباقي المعادن والموارد الأخرى”.
وبحسب القوانين المعمول بها داخل إقليم كردستان فإن كل شخص يقوم بقطع شجرة يتعرض لعقوبة مالية تصل إلى 500 ألف دينار.








