تكشف شهادات ناشطين في مجال حقوق ذوي الإعاقة عن فجوة بين متطلبات الوصول الشامل وواقع المباني والشوارع في العراق، حيث لا تزال احتياجات هذه الفئة تُعالج غالباً كإضافة لاحقة لا كجزء من فلسفة التصميم.
تكشف شهادات ناشطين في مجال حقوق ذوي الإعاقة عن فجوة بين متطلبات الوصول الشامل وواقع المباني والشوارع في العراق، حيث لا تزال احتياجات هذه الفئة تُعالج غالباً كإضافة لاحقة لا كجزء من فلسفة التصميم.
وتقول أزهار العزاوي، رئيسة منصة تضامن الإعلامية المخصصة للنساء ذوات الإعاقة، إن البنية التحتية في العراق “بشكل عام غير مهيأة أو مصممة لتراعي الأشخاص من ذوي الإعاقة”، مشيرة إلى أن المشكلة تظهر حتى في بعض المؤسسات والدوائر الرسمية التي يراجعها هؤلاء بصورة مباشرة، ومن بينها هيئة رعاية ذوي الإعاقة ودائرة الرعاية.
وتوضح أن عددا من هذه المباني يعاني من تهالك البنية التحتية، فضلا عن غياب التسهيلات التي تتيح للشخص ذي الإعاقة الوصول إلى المبنى والتنقل داخله وإنجاز معاملته بصورة مستقلة.
ولا ترى العزاوي أن إنشاء منحدر عند مدخل إحدى المؤسسات يعني بالضرورة أن المبنى أصبح مهيأً لذوي الإعاقة، إذ إن مفهوم التيسير، حسب حديثها، يتطلب منظومة متكاملة تبدأ من الشارع والرصيف ومواقف السيارات والدخول إلى المبنى، ولا تنتهي عند المصاعد والممرات ودورات المياه ومواقع تقديم الخدمة.
وتوضح رئيسة المنصة إن بعض المؤسسات تتضمن منحدرات مخصصة لمستخدمي الكراسي المتحركة، إلا أن ذلك “لا يمثل تيسيرا متكاملا”، خصوصا في ظل عدم وجود شوارع وممرات مهيأة بصورة مناسبة، وهو ما يجعل الوصول إلى المؤسسة نفسها تحديا قبل أن تبدأ مشكلة الحركة داخلها.
مشكلة أعمق
ويكشف ذلك، وفق ما تطرحه العزاوي، عن مشكلة أعمق من مجرد نقص تجهيزات منفردة، تتمثل في أن احتياجات ذوي الإعاقة لا تزال في كثير من الأحيان تُضاف إلى المبنى بعد إنجازه، بدلا من أن تكون جزءا من فلسفة التصميم الأساسية، بما يجعل التسهيلات لاحقة ومحدودة ولا تحقق مفهوم الوصول المستقل والمتكافئ.
ويمتد هذا الخلل إلى القطاع التعليمي، إذ أشارت العزاوي إلى عدم وجود مدارس حكومية مهيأة ومصممة بصورة متكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، في مقابل وجود تسهيلات في المدارس التي أُنشئت ضمن مشروع المدارس الصينية، والتي قالت إنها تتضمن بنية تحتية وصفوفا أكثر ملاءمة لهذه الفئة.
وترى أن حصر هذه المعايير في نماذج محددة من المدارس يكشف الحاجة إلى جعل التصميم الملائم لذوي الإعاقة قاعدة عامة في الأبنية التعليمية الجديدة، بدلا من بقائه ميزة موجودة في مشاريع بعينها.
ولا تقتصر المشكلة على الدوائر والمدارس الحكومية، إذ تشمل، بحسب العزاوي، المولات والفنادق والأماكن السياحية والمرافق العامة ومختلف المواقع التي يفترض أن تكون متاحة لجميع المواطنين.
وأشارت إلى أن كثيرا من هذه الأماكن لا توفر بنية تحتية تتلاءم مع مستخدمي الكراسي المتحركة أو الأشخاص قصار القامة وغيرهم ممن يحتاجون إلى ترتيبات تصميمية مختلفة، ما يعني أن المشكلة تتجاوز أداء جهة حكومية محددة إلى ثقافة عمرانية ومدنية أشمل تتعامل غالبا مع المستخدم على أساس نموذج جسدي واحد.
وتظهر آثار هذه الثقافة في تفاصيل قد تبدو صغيرة عند تصميم المبنى، لكنها تتحول إلى حواجز حقيقية أمام مستخدميه، مثل ارتفاع الشبابيك ومناضد تقديم الخدمة، وطبيعة المداخل والأبواب والممرات، والسلالم، والمصاعد، ودورات المياه، فضلا عن الأرصفة ومسارات الحركة خارج المباني.
الصم وضعاف السمع
وفي جانب آخر من المشكلة، لا يتعلق التيسير بالبناء وحده، إذ قالت العزاوي إن الأشخاص الصم وضعاف السمع يواجهون صعوبات كبيرة عند مراجعة الدوائر الحكومية بسبب عدم وجود موظفين متخصصين بلغة الإشارة يستطيعون التواصل معهم وفهم طلباتهم ومساعدتهم في إنجاز معاملاتهم.
ويشير ذلك إلى أن مفهوم “إتاحة الوصول” لا يقتصر على إزالة العوائق المادية أمام مستخدم الكرسي المتحرك، وإنما يشمل أيضا وسائل التواصل وتقديم المعلومات والخدمات بطريقة تناسب اختلاف أنواع الإعاقة.
وبحسب ما تطرحه العزاوي، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون هذه العوائق بصورة شبه يومية في المؤسسات الحكومية والخاصة والأماكن العامة، ما يجعل قدرتهم على الدراسة والعمل ومراجعة الدوائر والتنقل والسياحة وحتى ممارسة الأنشطة الاعتيادية مرتبطة بمدى استعداد المكان لاستقبالهم.
وتفتح هذه المشكلة تساؤلا أوسع بشأن معايير تصميم المدن والمباني في العراق، فهل تُبنى المرافق على أساس أنها ستكون متاحة لجميع المواطنين، أم أن ذوي الإعاقة ما زالوا يُعاملون في التخطيط العمراني باعتبارهم حالة استثنائية تحتاج إلى حلول لاحقة؟
فالانتقال إلى بيئة عمرانية شاملة لا يرتبط، وفق هذا التصور، بإضافة منحدر هنا أو مصعد هناك، وإنما بإدخال احتياجات مختلف فئات المجتمع في صلب التصميم منذ رسم المخطط الأول، بحيث يصبح وصول الشخص ذي الإعاقة إلى المدرسة أو الدائرة أو الفندق أو المتنزه حقا طبيعيا لا يحتاج إلى مساعدة استثنائية في كل مرة.








