التجارة الإلكترونية في العراق تمثل أحد أبرز ملامح التحول الاقتصادي الحديث، بعدما فتحت آفاقاً جديدة أمام المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال، إلا أن استمرار ضعف الرقابة وغياب التشريعات المنظمة يحدان من قدرتها على التحول إلى قطاع اقتصادي مستدام، ويؤثران في ثقة المستهلكين وجاذبية السوق للاستثمارات.
وفر التسوق الإلكتروني في العراق فرص عمل للعديد الشباب، وتحول إلى سوق متنامية يقصدها الاف المواطنين يوميا، بعدما تجاوز كونه مجرد وسيلة بديلة للشراء. وقد عزز هذا النمو الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، التي سهلت الوصول إلى المنتجات المحلية والمستوردة، وفتحت المجال أمام أصحاب المشاريع الصغيرة لتسويق منتجاتهم والوصول إلى شريحة أوسع من المستهلكين.
وفي المقابل، يواجه هذا القطاع تحديات متزايدة تتمثل بعمليات الغش والصفحات الوهمية وغياب الأطر القانونية التي تنظم العلاقة بين البائع والمستهلك، فضلا عن الخسائر التي يتحملها أصحاب المشاريع وشركات التوصيل نتيجة الطلبات غير الجادة ورفض استلام البضائع.
التجارة الإلكترونية بحاجة لبيئة قانونية
تقول ياسمينة الزبيدي، صاحبة احد المتاجر الإلكترونية للعطور، إن العمل في التجارة الإلكترونية لا يقتصر على عرض المنتجات وبيعها، بل يمر بسلسلة طويلة من الإجراءات والتحديات تبدأ بلحظة استيراد البضائع وحتى وصولها إلى المستهلك.
وتضيف الزبيدي أن منتجاتها تُستورد من دول خليجية، ما يجعلها تتحمل تكاليف الشحن والنقل والتخليص الكمركي وفرز البضائع قبل أن تصبح جاهزة للبيع، لافتة إلى أن”رحلة المنتج لا تنتهي عند ذلك، بل تبدأ بعدها مرحلة التسويق الإلكتروني التي تتطلب إدارة صفحة البيع، وإنتاج المحتوى، وإقامة البثوث المباشرة، فضلا عن الإنفاق على الإعلانات الممولة للوصول إلى الزبائن”.
وتشير إلى أن الحملات الإعلانية لا تحقق دائماً نتائج مضمونة، إذ إن عدد المشترين الفعليين يبقى محدوداً مقارنة بعدد الأشخاص الذين يشاهدون الإعلانات، الأمر الذي يزيد من كلفة التسويق ويقلل هامش الأرباح، فمثلا من كل ١٠٠ شخص هناك ١٠ اشخاص يشترون فعلياً”.
وتلفت الزبيدي إلى أن واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه أصحاب المتاجر الإلكترونية تتمثل في تعامل بعض الزبائن مع الطلبات بعدم الجدية، مبينة أن هناك من يطلب المنتجات ثم يمتنع عن استلامها، أو يزود المتجر بأرقام هواتف مغلقة أو عناوين غير دقيقة، ما يؤدي إلى خسائر مالية يتحملها البائع نتيجة أجور الشحن والإرجاع.
التحول الاقتصادي
من جانبه، يذكر الباحث الاقتصادي عبدالله نجم، إن التجارة الإلكترونية لم تعد نشاطا تجاريا هامشيا، بل أصبحت جزءا من التحول الاقتصادي الذي يشهده البلد، مدفوعة بارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات للبيع والتسويق وقلة فرص العمل في القطاع الخاص والعام.
ويوضح نجم أن هذا القطاع أسهم في خلق الاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء في شركات التوصيل أو التسويق الرقمي أو إدارة المتاجر الإلكترونية، فضلاً عن توفير فرص أمام المشاريع الصغيرة والمتوسطة للوصول إلى شريحة أوسع من المستهلكين دون الحاجة إلى افتتاح منافذ بيع تقليدية. ويضيف أن هذا النمو ما يزال أقل من الإمكانات الحقيقية للسوق العراقية بسبب غياب التنظيم القانوني وضعف البنية التشريعية التي تنظم العلاقة بين البائع والمستهلك.
ويشير نجم إلى أن انتشار الصفحات الوهمية وعمليات الغش الإلكتروني لا يقتصر أثره على خسارة المستهلك لقيمة السلعة فحسب، بل يمتد اثره الى ثقة المواطنين بالسوق الإلكترونية ككل، ما ينعكس سلبا على المتاجر الملتزمة ويحد من فرص جذب الاستثمارات إلى قطاع الاقتصاد الرقمي.
ويؤكد أن استمرار هذه الممارسات يخلق بيئة غير عادلة للمنافسة، إذ تتضرر الشركات النظامية وأصحاب الأعمال الملتزمون، نتيجة فقدان المستهلك ثقته بالتسوق الإلكتروني، ما يؤدي إلى إبطاء نمو هذا القطاع رغم الطلب المتزايد عليه.
ويؤكد، أن “المرحلة الحالية تتطلب تشريع قانون متكامل للتجارة الإلكترونية يحدد حقوق وواجبات جميع الأطراف، مع إلزام المتاجر الإلكترونية بالإفصاح عن هويتها وتوفير سياسات واضحة للاستبدال والاسترجاع، وإنشاء منصة رسمية لتسجيل المتاجر ومنحها تراخيص رقمية يمكن للمستهلك التحقق منها بسهولة”، ونوه على ان لا يوضع القانون بشكل يصبح عقبة للشباب.
كما يدعو إلى تعزيز دور الجهات الرقابية في متابعة الشكاوى ومحاسبة الصفحات الوهمية، إلى جانب نشر ثقافة الشراء الامن بين المواطنين، لأن بناء الثقة بين البائع والمستهلك هو الأساس الذي سيحدد قدرة التجارة الإلكترونية في العراق على التحول إلى قطاع اقتصادي مستدام وقادر على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.








