د. عقيل كريم الحسناوي
يبقى العباس حاضرًا في زماننا، لا بوصفه شخصية من الماضي فقط، بل بوصفه معيارًا أخلاقيًا يكشف صدق المواقف. فالوفاء الذي تمثله كربلاء ليس تعلقًا بالماضي، وإنما دعوة إلى أن يكون الإنسان أكثر صدقًا في الحاضر: وفيًا للحق، وللوطن، وللمسؤولية، ولمن أحسن إليه، وللكلمة التي قالها والعهد الذي قطعه. وحين…
لسنا هنا بصدد استعادة وقائع معركة الطف أو إعادة سرد أحداثها التاريخية؛ فقد كُتبت تلك الوقائع وحُفظت في الذاكرة والوجدان. ما يعنينا هو المعاني التي بقيت بعد انقضاء المعركة، وفي مقدمتها معنى الوفاء الذي جسّده أبو الفضل العباس بن علي في موقفه مع أخيه الإمام الحسين عليهم السلام. فالأحداث تنتمي إلى زمنها، أما القيم التي تولد منها فتبقى قادرة على مخاطبة كل عصر، ولا سيما عصرنا الذي أصبحت فيه المصالح المتغيرة تتحكم في كثير من العلاقات والمواقف.
لم يكن وفاء العباس مجرد وفاء أخ لأخيه، وإن كانت الأخوة من أنبل الروابط الإنسانية، بل كان وفاءً لقضية آمن بعدالتها، ولعهد التزم به عن وعي، ولطريق عرف صعوبته ولم يتراجع عنه. ولهذا لا يمكن اختزال موقفه في العاطفة العائلية؛ لأن العاطفة قد تضعف تحت ضغط الخوف، أما الوفاء الواعي فيظل ثابتًا حين تتغير الظروف وتشتد المحنة.
وتكمن أهمية هذا المعنى في أن الوفاء ليس كلمة تقال، ولا شعورًا يظهر في أوقات الراحة، وإنما هو موقف يتجلى عندما يصبح الالتزام مكلفًا. فمن السهل أن يكون الإنسان وفيًا لمن يمنحه القوة أو المنفعة، وأن يبقى إلى جانب صديقه ما دامت العلاقة تحقق له مصلحة، وأن يمدح صاحب المنصب ما دام قريبًا من السلطة. لكن الامتحان يبدأ حين تزول المنفعة، ويصبح الوقوف مع الآخر سببًا للخسارة أو العزلة أو الخوف.
في كربلاء ظهر الوفاء في أعلى صوره؛ لأنه لم يكن متعلقًا بنتيجة مضمونة أو مكسب منتظر. كان ثباتًا على المبدأ في لحظة بدا فيها ميزان القوة مختلًا، وكانت فرص النجاة الفردية ممكنة لمن يختار الانسحاب. ومن هنا أصبح العباس رمزًا؛ لأن موقفه أكد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحصل عليه، بل بما يرفض التخلي عنه حتى في أقسى الظروف.
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا الفهم. فواقعنا لا يعاني من قلة الحديث عن القيم، وإنما من اتساع المسافة بين القول والعمل. نسمع كثيرًا عن الوفاء، بينما تنهار علاقات عند أول اختلاف في المصلحة. تتبدل المواقف السياسية بتبدل المواقع، وقد يتخلى الإنسان عن رفاقه أو مبادئه من أجل منصب، ويصمت بعض أصحاب الكلمة عن الخطأ حفاظًا على امتياز، ويُترك المظلوم وحيدًا لأن الدفاع عنه لا يحقق منفعة عاجلة.
الوفاء الذي نتعلمه من العباس لا يعني التبعية العمياء للأشخاص، ولا تبرير الأخطاء بدعوى القرابة أو الصداقة أو الانتماء. فالوفاء الحقيقي لا ينفصل عن الحق، وإلا تحول إلى تعصب. أن تكون وفيًا لصديقك لا يعني أن توافقه على ظلمه، بل أن تصارحه وتحميه من خطئه. وأن تكون وفيًا لجماعتك لا يعني الدفاع عنها حين تعتدي، بل مساعدتها على العودة إلى الصواب. الوفاء للقيم أسمى من الوفاء للأشخاص، والأشخاص يستحقون الوفاء بمقدار اقترابهم من الحق.
لقد ارتبط اسم العباس أيضًا بمعاني القوة والشجاعة، لكن عظمة قوته لم تكن في القدرة على القتال وحدها، وإنما في الوجهة التي اختار أن يضع فيها هذه القوة. فالقوة تصبح فضيلة حين تحمي ضعيفًا، وتصبح خطرًا حين تتحول إلى وسيلة للاستعلاء. والبطولة ليست استعراضًا ولا بحثًا عن الشهرة، بل استعداد لتحمل المسؤولية عندما ينسحب الآخرون.
هذا المعنى ينبغي أن ينتقل إلى حياتنا المعاصرة. فالمسؤول يكون وفيًا لأمانته حين يحفظ المال العام ولا يجعل المنصب وسيلة للإثراء. والقاضي يكون وفيًا للعدالة حين لا يخضع للضغط. والأستاذ يكون وفيًا لرسالته حين ينصف طلابه ولا يميز بينهم. والطبيب يكون وفيًا لمهنته حين يرى في المريض إنسانًا لا رقمًا. والصحفي يكون وفيًا لكلمته حين يقول الحقيقة ولو خالفت رغبات أصحاب النفوذ.
والوفاء للوطن لا يتحقق برفع الشعارات وحدها، وإنما بصيانة مؤسساته، واحترام القانون، وأداء العمل بإخلاص، ورفض الفساد حتى عندما يكون طريقًا سهلًا إلى المنفعة. فالوطن لا يحتاج إلى من يتغنى بحبه ثم ينهب أمواله أو يعطل مصالح أبنائه، بل يحتاج إلى من يترجم الانتماء إلى مسؤولية يومية. وربما تكون أكثر صور الوفاء صدقًا هي تلك التي لا يراها أحد: موظف ينجز معاملة مواطن من دون رشوة، أو إنسان يعيد حقًا لا يستطيع صاحبه المطالبة به، أو صاحب قرار يرفض محاباة قريب على حساب مستحق.
لكن الوفاء لا يكتمل من دون تضحية. وليس المقصود بالتضحية دائمًا بذل الحياة، فلكل زمن صورته الخاصة. قد تكون التضحية اليوم تنازلًا عن مكسب غير مشروع، أو تحملًا لنتائج قول الحقيقة، أو وقتًا يُمنح لخدمة الآخرين، أو موقفًا يحمي ضعيفًا لا يستطيع الدفاع عن نفسه. وقد تكون التضحية أن يرفض الإنسان النجاة الفردية على حساب مجتمعه، وألا يبني راحته الخاصة فوق معاناة الآخرين.
لقد اختصر العباس معنى الوفاء في وحدة القول والفعل. لم يكن يعلن موقفًا ثم يبحث عن طريق آمن يتراجع من خلاله، ولم يجعل انتماءه مجرد شعار. وهذا هو الفارق بين القيم الحقيقية والقيم التي تُستخدم للزينة الاجتماعية. فالقيمة لا تصبح جزءًا من شخصية الإنسان إلا عندما تتحول إلى سلوك، ولا تظهر حقيقتها إلا عند التعارض مع المصلحة.
إن إحياء ذكرى العباس عليه السلام لا يكتمل بالبكاء على موقفه أو ترديد صفاته، على أهمية ما تحمله الذكرى من أثر وجداني، بل يتحقق أيضًا بسؤال أنفسنا: ما مقدار الوفاء في حياتنا؟ هل نحفظ العهد حين تتغير الظروف؟ هل نقف مع الحق حين يصبح الوقوف مكلفًا؟ هل نستخدم ما نملكه من قوة أو علم أو منصب لخدمة الآخرين؟ وهل نبقى إلى جانب من أحببناهم في أوقات ضعفهم كما كنا معهم في أوقات قوتهم؟
لقد انتهى يوم الطف، لكن امتحان الوفاء لم ينته. فهو يتكرر في الأسرة والعمل والدولة والصداقة، وفي كل لحظة يخيَّر فيها الإنسان بين ضميره ومصلحته. ومن هنا يبقى العباس حاضرًا في زماننا، لا بوصفه شخصية من الماضي فقط، بل بوصفه معيارًا أخلاقيًا يكشف صدق المواقف.
فالوفاء الذي تمثله كربلاء ليس تعلقًا بالماضي، وإنما دعوة إلى أن يكون الإنسان أكثر صدقًا في الحاضر: وفيًا للحق، وللوطن، وللمسؤولية، ولمن أحسن إليه، وللكلمة التي قالها والعهد الذي قطعه. وحين يصبح الوفاء سلوكًا لا شعارًا، تكون كربلاء قد انتقلت من الذاكرة إلى الحياة.







