رغم النتائج التي حققتها بعض المناطق المشمولة بعقود الخدمة والجباية، فإن ملف خصخصة الكهرباء ما يزال يواجه تحديات تتعلق بالإنتاج وشبكات التوزيع والتمويل.
لم تعد أزمة الكهرباء في بغداد تقاس بعدد ساعات الانقطاع فقط، بل باتت تقاس أيضاً بالمكان الذي يسكنه المواطن.
ففي وقت تنعم فيه أحياء مشمولة بمشروع خصخصة التوزيع وبخدمة أكثر استقرارا وأجور يصفها السكان بأنها أقل من كلفة المولدات الأهلية، ما تزال مناطق أخرى تواجه الانقطاعات ذاتها وتدفع أثمانا أعلى للحصول على الكهرباء.
هذا التفاوت يطرح أسئلة تتجاوز ملف التجهيز إلى مفهوم العدالة في توزيع الخدمة العامة: كيف تختار المناطق المشمولة بالخصخصة؟ ولماذا نجح نموذج معين في توفير كهرباء أكثر استقراراً بكلفة أقل، فيما لم يتحول بعد إلى تجربة عامة تشمل جميع سكان العاصمة؟
وبينما ترى وزارة الكهرباء في المشروع خطوة إصلاحية لمعالجة الضائعات ورفع كفاءة الشبكة، يتساءل مراقبون عما إذا كانت الخصخصة تمثل حلاً جذرياً لأزمة مزمنة، أم أنها أعادت رسم خريطة الكهرباء في بغداد على أساس مناطق أكثر حظاً من غيرها؟
نظام الخصخصة
تقوم تجربة خصخصة توزيع الكهرباء في بغداد على نموذج (عقود الخدمة والجباية) وهو نظام لا ينقل ملكية القطاع إلى الشركات المتعاقدة، وإنما يُسند إليها مهام إدارة التوزيع وقراءة الاستهلاك وجباية الأجور ضمن مناطق محددة، فيما تبقى الشبكة الكهربائية وملكية المنظومة بيد الدولة.
ويعتمد هذا النموذج على إدخال أنظمة قياس أكثر دقة وربط الاستهلاك الفعلي بكلفته، بهدف تقليل التجاوزات والهدر وتحسين نسب التحصيل، وهي من أبرز التحديات التي يواجهها قطاع الكهرباء في العراق.
هذا النظام يُطبق بشكل تدريجي في مناطق مختارة من العاصمة، وفق معايير فنية تتعلق بجاهزية الشبكات وقدرة البنى التحتية على استيعاب أساليب التشغيل الحديثة، إضافة إلى اعتبارات تتعلق بإدارة الأحمال ومستوى التحديثات التي تصل اليها شبكات توزيع الكهرباء.
في هذا السياق، يوضح خبير الطاقة فرات الموسوي أن ما يجري هو (عقود خدمة وجباية) أكثر من كونه خصخصة كاملة، مشيراً إلى أنه يركز على تحسين التوزيع وتقليل الضائعات، لكنه يبقى محدود التأثير لأنه لا يعالج اختلالات الإنتاج والنقل، ما يجعل نتائجه مرهونة بالبنية العامة للمنظومة.
وتبقى أسئلة اختيار المناطق المشمولة، وأسباب محدودية التطبيق، وإمكانية التوسع على مستوى بغداد، مفتوحة أمام وزارة الكهرباء؟ فما هي هذه المعايير وكيف يتم اختيار مناطق دون أخرى؟ وهل يُعد النظام حلٌ لأزمة الكهرباء في العراق؟
معايير الاختيار
على الرغم من وجود مطالبات من عدد من الحكومات المحلية، وخصوصا مجلس محافظة بغداد، لوزارة الكهرباء بتحويل مناطق جديدة لتسير أسوة بالمناطق التي تعمل حالياً ضمن نظام (الخصخصة) أو ما يُعرف ببرنامج الخدمة والجباية، إلا أن هناك عدة محددات تمنع تعميم هذه التجربة كسياسة عامة في الوقت الحالي.
أوضح المتحدث الرسمي السابق باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى أن الخصخصة كمصطلح تعني بيع موجودات الدولة للقطاع الخاص، وهو ما لم تقم به وزارة الكهرباء مطلقاً، إذ ما تزال المحطات وما تزال الشبكات وما تزال مغذيات الكهرباء مملوكة كأصول للوزارة، وإن ما يحصل هو مشاركة القطاع الخاص في جزئيات معينة ضمن تعرفة محددة يحصل عليها المستثمر أو مَن يعمل على قطاع الخدمة والجباية في توزيع الكهرباء،
مشيراً إلى أن الوزارة سبق أن أحالت ووقعت عدداً من العقود التي كانت بمثابة تجارب ناجحة وأخرى غير ناجحة، حيث انتهت العقود غير الناجحة بالفسخ، فيما استمرت العقود الناجحة في مناطق مثل زيونة والحارثية والقادسية وحتى اليرموك ومناطق أخرى في بغداد.
موسى بيّن أيضا أن سبب عدم تعميم التجربة على باقي المناطق يعود إلى عدة محددات، أولها محدودية الإنتاج، إذ ما تزال وزارة الكهرباء لا تمتلك الإنتاج الكافي لتغطية حاجة المواطنين سواء في بغداد أو المحافظات، حيث يبلغ الإنتاج الحالي ما بين 20,000 إلى 21,000 ميغاواط، بينما تحتاج المنظومة خصوصاً مع تنامي أحمال الصيف إلى نحو 62,000 ميغاواط، وبالتالي فإن السبب الأول الذي يمنع تعميم التجربة هو محدودية الإنتاج، لأنه في حال إحالة باقي المناطق فلن تتمكن الوزارة من تغطية الطلب المتنامي على الاستهلاك.
شبكات التوزيع
مشيرا إلى أن المشكلة الثانية تتمثل بشبكات التوزيع، إذ إن هذه الشبكات جزء منها متهالك وجزء قديم وجزء لا يفي بالغرض، خصوصاً مع توسع المناطق وتغير الحاصل في طبيعة العقار، لاسيما مع وجود مناطق عشوائية ومناطق زراعية أُنشئت وأصبحت متاخمة للمناطق السكنية، ما يعني وجود أحمال إضافية على الشبكة الكهربائية، وبالتالي يجب أن تكون شبكة التوزيع بحالة جيدة في حال إحالة الخدمة إلى مناطق أخرى، إلا أن جزءاً من الشبكات غير نظامي وغير مؤهل وغير قادر على استيعاب الأحمال وتغطية الخدمة الكاملة،
وهنا يبرز دور الوزارة في العمل على تأهيل الشبكة، لكن ما يمنع ذلك اليوم هو عدم وجود الموازنات التي تستدعيها الوزارة لتأهيل تلك الشبكات أو تغطية الخدمة بشكل كامل، وتأهيل هذه الشبكات.
موسى لفت أيضا الى أن سببا اخر يتمثل بالاعتماد على الوقود المستورد لتغطية إنتاج المنظومة الذي هو منقوص أصلاً ، إضافة إلى أن تذبذب وانحسار وتناقص إمدادات الغاز الذي يجعل محطات الإنتاج عرضة لانخفاض الإنتاج، وبالتالي فإن تناقص الإنتاج يؤثر في استدامة ساعات تجهيز الكهرباء وإدامة زخمها، وهذا أيضاً يبرر عدم إحالة باقي المناطق.
التحول الذكي
وفي ما يتعلق بآليات العمل، أوضح أن الوزارة عكفت في وقت سابق على إحالة مناطق ضمن آليات (التحول الذكي) في الشبكة الكهربائية، حيث درست معايير الخدمة والجباية ومعايير ما يسمى بالخصخصة، وخلصت إلى التحول نحو (لتحول الذكي) الذي يتضمن تأهيل شبكات التوزيع من خلال عقود مع شركات القطاع الخاص، ونصب العدادات والمنظومات الذكية، بهدف القضاء على التجاوزات والسيطرة على الأحمال وتعظيم موارد الجباية، مع التأكيد أنه زيادة في أسعار التعرفة.
مبينا أن الوزارة درست عروضاً قُدمت من شركات القطاع الخاص وفق محددات، واختارت عدداً من الشركات وعدداً من المناطق في بغداد وباقي المحافظات، حيث تشمل المناطق حالياً في بغداد جزءاً من جانب الكرخ وجزءا من جانب الرصافة، وفي محافظات تشمل ميسان والبصرة والنجف الأشرف والأنبار وديالى وكركوك ونينوى، وقد بدأت الوزارة فعلياً بتنفيذ التحول الذكي في عدد من هذه المناطق، ويجري العمل تباعاً على استكمال باقي المناطق.
مشيرا إلى أن الوزارة بدأت خطوة أخرى تتمثل بحصر الضائعات بالأحمال العالية، حيث تم التعاقد مع إحدى شركات القطاع الخاص لنصب العدادات وحصر الضائعات والسيطرة على الأحمال العالية التي تمثل استهلاكات كبيرة في شبكات التوزيع والكهرباء، وقد تم إبرام عقد فعلي بهذا الشأن.
مؤكدا أن الوزارة ماضية في التحول الذكي في بعض المناطق بالشراكة مع القطاع الخاص ضمن معايير ومحددات لا تؤدي إلى الإضرار بالمواطن ولا إلى زيادة الأسعار، على أن يكون لهذا التحول مردود مالي وتشغيلي لصالح وزارة الكهرباء، وبما يحقق شراكة ناجحة مع القطاع الخاص.








