بلغ مشروع زراعة المانغروف في محافظة البصرة مليون شتلة، ضمن خطة مشتركة بين الحكومة المحلية وبرنامج الأغذية العالمي تهدف إلى تعزيز الغطاء النباتي في السواحل الجنوبية ومنطقة خور الزبير، ومواجهة آثار التغير المناخي المتصاعد في جنوب العراق.
ويأتي هذا التوسع في وقت تواجه فيه المحافظة تحديات بيئية متراكمة، أبرزها تراجع الإطلاقات المائية في شط العرب، وارتفاع نسب الملوحة التي أثّرت مباشرة على التربة الزراعية ومصادر المياه، إلى جانب اتساع رقعة التصحر وتراجع المساحات الخضراء خلال السنوات الأخيرة، ما دفع نحو البحث عن حلول طبيعية أكثر استدامة.
وتوزّع تمويل المشروع بين 800 ألف شتلة بدعم محلي و200 ألف شتلة بتمويل أممي، ويُعدّ من أبرز المشاريع البيئية المنفذة في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، في ظل تزايد التحديات المرتبطة بارتفاع الملوحة وتراجع التنوع البيئي وتآكل الأراضي الزراعية.
تشجير السواحل
وأوضحت مديرة برنامج الأغذية العالمي في العراق شيلا ماثيو أن القيمة الحقيقية للمشاريع البيئية لا ترتبط بحجم التمويل أو تعدد الجهات الداعمة، بقدر ارتباطها بفاعلية التنفيذ ودقة المتابعة الميدانية التي تضمن وصول الأثر إلى بيئته المستهدفة.
وبيّنت ماثيو أن فرق البرنامج تعتمد زيارات ميدانية منتظمة إلى مواقع العمل، لا تقتصر على الاطلاع العام، بل تشمل تقييماً تفصيلياً لمراحل النمو والتكيف البيئي للشتلات، ورصد أي تحديات قد تواجه استدامة المشروع، مشيرة إلى أن هذه المتابعة جزء أساسي من منهجية البرنامج.
ثم أضافت أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو تعزيز الشراكة مع الحكومة المحلية في البصرة، بما يضمن تنسيقاً أعلى بين الجهود التنفيذية والإشرافية، إلى جانب تطوير أدوات قياس ومتابعة وفق معايير أكثر دقة في تقييم الأداء البيئي.
وتابعت ماثيو أن الهدف النهائي يتمثل في تحويل هذه المشاريع من تدخلات آنية مرتبطة بفترة التمويل إلى برامج مستدامة طويلة الأمد، قادرة على إحداث تغيير ملموس في الواقع البيئي، خصوصاً في المناطق التي تعاني من هشاشة مناخية وتدهور في الغطاء النباتي.
غطاء مستدام
من جهته، رأى المتخصص في الشأن البيئي علاء البدران، أن التوجه نحو زراعة المانغروف جاء استجابة مباشرة لتصاعد آثار التغير المناخي في المنطقة، موضحاً أن هذا النوع من المشاريع لم يعد يُتعامل معه كخيار تجميلي أو ثانوي، بل ضرورة بيئية ملحّة لمعالجة التدهور في النظم الطبيعية بالمناطق الجنوبية.
وأفاد البدران بأن الخطط الحالية تتجه نحو توسيع نطاق الزراعة تدريجياً خلال السنوات المقبلة، بما يضمن بناء غطاء نباتي مستدام قادر على التكيف مع الظروف البيئية القاسية، مؤكداً أن نجاح هذه المشاريع يعتمد على الاستمرارية في الإدارة والمتابعة الميدانية، لا على مراحل الزراعة الأولى فقط.
ثم أضاف أن أهمية المانغروف تنبع من خصائصه البيئية الفريدة، إذ يستطيع النمو في المياه المالحة، ما يجعله ملائماً لطبيعة السواحل في البصرة، فضلاً عن إسهامه في تحسين جودة الهواء وزيادة الرطوبة وتقليل زحف التصحر، مبيناً أن استثمار المناطق الساحلية غير المستغلة يمكن أن يشكّل فرصة لتحويلها إلى أحزمة خضراء داعمة للتوازن البيئي في المحافظة.
المانغروف دولي
من جانبه، ذكر مدير شركة الفارس صالح شداد أن مشاريع زراعة المانغروف باتت تحظى باهتمام متصاعد على المستوى الدولي، باعتبارها من الحلول البيئية المعتمدة لمواجهة تداعيات التغير المناخي.
وأشار شداد إلى أن وصول المشروع في البصرة إلى عتبة المليون شتلة يعكس مستوى التنسيق القائم بين المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية، لافتاً إلى أن الزيارات الميدانية التي نفذتها وفود أممية أسهمت في تعزيز الثقة بمراحل التنفيذ ومتابعة سير العمل على أرض الواقع.
ويُنظر إلى هذا المشروع كخطوة أولى في مسار طويل لإعادة تشكيل المشهد البيئي في البصرة، في ظل حاجة ملحّة لمشاريع مستدامة قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وتحسين الواقع البيئي في واحدة من أكثر المناطق تأثراً في العراق.








