حيدر الجابري
إذا كانت إيران ترى نفسها رأس جبهة مقاومة حقيقية، فإن أيّ توقف الآن هو بمثابة اعتراف ضمني بالعجز. التراخي أو ضبط النفس في لحظة كهذه ليس حكمة، بل سذاجة سياسية. الصراع مع إسرائيل لم يعد يدور حول “الردع” أو “التحذير”، بل دخل مرحلة الصراع المفتوح، حيث لا مكان لنصف خطوة، ولا فائدة من رسائل محسوبة.
كل دقيقة تمر تمنح العدو فرصة للتنفس، لإعادة تقييم خياراته، لإعادة تسليح جبهاته، وربما التخطيط لهجوم مضاد. مثل هذه الفرص الصغيرة هي التي تصنع الفرق في حروب طويلة النفس. التاريخ العسكري مليء بشواهد على قادة كانوا على مشارف النصر، ثم اختاروا التراجع التكتيكي فخسروا كل شيء. ما حدث في أكتوبر 1973 نموذج حي: بعد أن اخترق العرب خط بارليف، جاؤوا إلى طاولة التفاوض مبكرًا ففقدوا زمام المبادرة
اليوم، إيران أمام لحظة تشبه تلك. إما أن تضرب وتواصل الضرب بلا انقطاع، أو تفتح المجال لتدخلات خارجية تقيّد قرارها وتجعل ردّها مرهونًا بتفاهمات لا تخدمها
معركة تتجاوز الجغرافيا
ما يحدث بين إيران وإسرائيل ليس حربًا تقليدية بحدود واضحة. هذه حرب لامركزية، متعددة الجبهات، موزعة بين البحر والجو، والإعلام والفضاء السيبراني. ليست طهران وتل أبيب فقط من تقرران مصير المعركة، بل ساحات مثل غزة، جنوب لبنان، دير الزور، مأرب، وحتى البحر الأحمر، كلها تُستخدم كأوراق ضغط أو ساحات اختبار
إيران تدرك أن إسرائيل لا يمكن أن تحارب منفردة، لذا تسعى إلى ضرب خطوط الدعم اللوجستي والمعنوي التي تؤمن لها التفوق. بالمقابل، إسرائيل ترى أن إضعاف وكلاء إيران هو الطريق الأنجح لخنق طموحاتها. هذا ما يجعل الحرب غير متوازنة في الشكل، لكنها متعادلة في التأثير
الجغرافيا السياسية تحولت إلى ساحة اشتباك مستمرة. إسرائيل تنفذ ضربات نوعية في سوريا، وإيران تردّ عبر الفصائل الحليفة، واليمن يتحرك في البحر، والعراق على خط التماس المعلوماتي. هذه حرب من نوع مختلف، ليست فيها معارك فاصلة، بل استنزاف متدرج حتى تنهار إرادة أحد الطرفين
وكلاء النار ووقود الصراعات
الصراع لا يُخاض فقط بين الدول، بل بين المشاريع. الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون يراهنون على تحجيم النفوذ الإيراني من خلال أدوات غير مباشرة تضييق اقتصادي، تحريض إعلامي، اختراق استخباري، وصناعة بيئات داخلية متوترة في الدول الحليفة لطهران
في المقابل، إيران تمتلك شبكة من الوكلاء، لكنهم ليسوا مرتزقة أو أدوات عمياء، بل فصائل مؤدلجة ترى نفسها في خندق الدفاع عن الوجود. في العراق، لبنان، سوريا، اليمن، وحتى في بعض بقاع إفريقيا وآسيا، يتشكل محور عسكري وأمني يربك حسابات واشنطن وتل أبيب
أما الدول الخليجية، فتقف في موقف ملتبس: تراقب عن كثب، بعضها يمول الحملة ضد إيران سرًا، وبعضها ينتظر نتيجة المعركة ليعيد التموضع. هذه الدول لا تملك مشروعًا مستقلًا، بل تعمل ضمن استراتيجيات موضوعة مسبقًا في غرف القرار الأمريكي
المواجهة الحقيقية ليست بين جيوش، بل بين إرادتين: واحدة تريد بقاء السيطرة، والأخرى تريد كسر الطوق المفروض منذ عقود
لا تفاوض تحت النار
الدعوات الدولية لخفض التصعيد وفتح قنوات للحوار تكشف عن رغبة غربية عاجلة لوقف النزيف الإسرائيلي. لكنها في الجوهر ليست دعوات سلام، بل محاولات لحماية “التفوق الإسرائيلي” الذي بدأ يتآكل ميدانيًا ونفسيًا
أي مفاوضات تُعقد الآن تعني عمليًا: تجميد المكاسب الإيرانية، مقابل وعود غربية فارغة. لقد جُربت هذه المعادلة من قبل، ولم تُنتج سوى المزيد من الخسائر. في كل مرة تُفتح قنوات التفاوض، كانت إسرائيل تعود بقوة مضاعفة، والمقاومة تُدفع إلى الخلف
المعادلة اليوم واضحة: لا أحد يحترم الطرف الضعيف. لا أحد يستمع لمطالب “منكسرة”. من أراد فرض شروطه، فعليه أن يصنع ميزان القوة في الميدان أولًا. بعدها فقط، يمكن أن يكون التفاوض له معنى
التهديدات القادمة: ثلاث جبهات وخيارات ضيقة
الحرب الحالية تفتح ثلاث جبهات مقلقة
أمنيًا
إسرائيل بدأت تُكثف جهودها الاستخبارية لشنّ ضربات استباقية أو اغتيالات استراتيجية في دول الجوار الإيراني. الرد الإيراني المرتبك أو المتأخر قد يُفسر على أنه تراجع، ما يشجع مزيدًا من التصعيد
سياسيًا
إيران تواجه معضلة حقيقية في إدارة تحالفاتها. بعض الفصائل بدأت تتحرك خارج الإيقاع المركزي، وبعضها الآخر يتعرض لضغوط داخلية قد تعطل حركته. هذا الانقسام قد يُستثمر من قبل العدو لتفكيك الحلف بشكل تدريجي
اقتصاديًا
التصعيد يعني المزيد من العقوبات، وتهديد خطوط النفط، وضغوط على الأسواق الداخلية. إسرائيل ستضغط اقتصاديًا عبر الغرب، وتعمل على ضرب البنية التحتية للدول الداعمة لطهران، كما حدث في الضربات الأخيرة على مناطق في سوريا والعراق
كل هذه التهديدات لن تتراجع إلا إذا أدرك العدو أن الضرب سيستمر، وأن الثمن يرتفع كل يوم
الثبات أو السقوط
في المعارك المصيرية، لا يكفي أن ترفع الشعارات، بل يجب أن تثبت صدقيتها بالدم والحديد. إيران الآن في نقطة مفصلية. إن تراجعت أو ارتبكت، فإن محور المقاومة كله سيتعرض لهزة عنيفة قد تُعيده إلى ما قبل 2006. وإن ثبتت، فقد تدخل المنطقة عصرًا جديدًا من توازن الردع، ليس بالكلام، بل بالفعل
القرار بيد القيادة السياسية والعسكرية. الرأي العام المقاوم يتقدم، والعدو في ارتباك واضح. لكن الأهم: هل تتحمل إيران الثمن؟ وهل ستختار أن تكتب المعادلة بنفسها، أم تترك لغيرها كتابتها؟سؤال لك: لو كنت في موقع القرار، هل تراهن على خصمك كي يضعف، أم تجهز عليه وهو في لحظة ارتباكه؟
وهل تعتقد أن الثبات الآن مغامرة، أم هو الطريق الوحيد لتغيير قواعد اللعبة؟








