تكشف تجارب أسر عراقية أن الإدمان الرقمي لا يقتصر على إهدار الوقت، بل قد يمتد إلى إنفاق أموال كبيرة واللجوء إلى إخفاء مصادرها، فيما تؤكد دراسات محلية أهمية التدخل المبكر والمتابعة الأسرية.
تكشف تجارب أسر عراقية أن الإدمان الرقمي لا يقتصر على إهدار الوقت، بل قد يمتد إلى إنفاق أموال كبيرة واللجوء إلى إخفاء مصادرها، فيما تؤكد دراسات محلية أهمية التدخل المبكر والمتابعة الأسرية.
تزداد المخاوف في العراق من ظهور حالات لإنفاق مبالغ كبيرة على الألعاب الإلكترونية قدّرتها بيانات رسمية بنحو مليار دولار خرجت من البلاد عبر شراء بطاقات الشحن والدعم والحسابات المرتبطة بالألعاب القتالية الإلكترونية.
وفي أحدث الوقائع التي أثارت صدمة اجتماعية، تحدثت أنباء عن وفاة مراهق في قضاء طوزخورماتو بمحافظة صلاح الدين (شمال) بعدما تعرض لتعذيب، وإلقاء القبض على والده وخاله.
ونقلت عن مصادر أمنية ان المعلومات الأولية ربطت الحادثة بخلافات مالية نجمت عن عمليات بيع وشراء خاصة بلعبة “بوبجي”.
ويشير ذلك إلى خطورة المشكلة التي باتت تهدد الأسر، بحسب ما يرى مواطنون، وأحدهم سهيل الطائي الذي يُخبر “العربي الجديد” إنه لم يتصور أن ابنيه المراهقين ينفقان مبالغ بهذا الحجم على الألعاب الإلكترونية، ثم اكتشف أنهما دفعا نحو 20 مليون دينار (15.2 ألف دولار) العام الماضي.
ويوضح أنه شعر بغضب وصدمة عندما عرف بالأمر، ثم اكتشف أن المسألة لم تبدأ في العام الأخير، فولداه ينفقان أموالاً على الألعاب منذ أربع سنوات، ويحصلان على هذه الأموال بطرق مختلفة، من بينها طلبها منه بحجة شراء الحلوى والمشروبات أو مستلزمات مدرسية، كما كانا يطلبان أموالاً من أعمامهما وأخوالهما بحجج مختلفة، وهذا ما أخّر علمه بالمسألة وإدراكه أنها ليست مجرد مصروف إضافي، بل سلوك متكرر أخفي سنوات عن الأسرة.
أيضاً تروي نجاح صادق، وهي ربة بيت، أن أسرتها عاشت صدمة ثقيلة عندما اكتشفت أن ابنها كان يحصل على مال من ممتلكات أفراد أسرته وينفقه على الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل، من بينها “تيك توك”.
فترات متباعدة
وتتحدث عن أن ابنها سرق، على فترات متباعدة، قطع حلي خاصة بها وأخرى لجدته وعمته، ومبالغ مالية من المنزل، ثم اكتشفت الأسرة الحقائق. وكانت الصدمة قاسية لدرجة أن والد المراهق تعرض لوعكة صحية استدعت نقله إلى المستشفى.
وتورد دراسات أجريت في العراق أن الإنفاق على الألعاب يمثل فعلاً أحد السلوكات المرتبطة بالاستخدام المفرط. وخلصت دراسة ميدانية نشرتها مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة ذي قار عام 2025، بعد مسح 100 مراهق من مستخدمي لعبة “لودو” الشهيرة، إلى وجود إنفاق كبير على بطاقات الشحن، إلى جانب السهر والتراجع الدراسي والتخلي عن بعض الأنشطة اليومية.
في المقابل، تعاملت أسرة أخرى بشكل مختلف حين وجدت أن ولديها يُدمنان بشدة الألعاب الإلكترونية. وتتحدث والدتهما رنا جمال عن أنها اتفقت مع زوجها على توفير أجواء أكثر إيجابية لولديهما اللذين أصبحا يقضيان وقتاً طويلاً في ممارسة الألعاب، مع مراقبة طلباتهما المتكررة للحصول على المال.
وتقول: “فضل زوجي عدم الدخول معهما في مواجهة قاسية، والتعامل بهدوء مع مداراة سلوكهما تدريجياً، واستعان بشيخ المسجد القريب الذي زارنا وتحدث معهما عن تنظيم الوقت والمسؤولية والابتعاد عن الإفراط في اللعب. وأدى هذا الأسلوب، بحسب تجربتنا، إلى تغير واضح، فأصبح وقت اللعب محدوداً خلال اليوم، مع إعطاء الولدين مساحة للدراسة وممارسة باقي النشاطات”.
توصيات دراسات عراقية
وتنسجم هذه التجربة مع توصيات دراسات عراقية تؤكد أهمية المتابعة الأسرية وبناء علاقة صداقة مع المراهق بدلاً من الاكتفاء بالعقوبة والمنع. وأوصت دراسة أجرتها جامعة ذي قار بمراقبة الأموال التي يملكها المراهقون وعدم تركهم ساعات طويلة أمام الألعاب، وتشجيعهم على النشاط الرياضي والاجتماعي.
وكانت ورشة نظمتها جامعة البصرة عام 2025 عن تأثير الألعاب والإعلام الرقمي على الصحة النفسية للمراهقين ركزت على التمييز بين الاستخدام الطبيعي والإدمان الرقمي والتدخل المبكر وتحقيق التوازن الرقمي.
وتأتي هذه المخاوف في مجتمع يتسّع فيه الحضور الرقمي بسرعة. ويذكر الباحث الاجتماعي أحمد كامل أن عدد مستخدمي الإنترنت في العراق وصل إلى 39.6 مليون شخص حتى نهاية 2025، ما يمثل نسبة 83.8% من السكان.
يضيف أن “هذا يدل على أن الإنترنت موجود في كل مكان وبمتناول الجميع، والمراهقين بطبيعة الحال يبحثون عما يجذبهم، وتوفر لهم الألعاب الإلكترونية العالم الخاص الذي يرونه البديل الأكثر إمتاعاً لهم. وبعد دخول هذا العالم والاستغراق فيه ينسلخ المراهقون تدريجياً عن كثير من الارتباطات والأخلاقيات، وينفذون الأوامر التي تأتي منه. ومن أجل الاستمرار فيه يجب أن يحصلوا على المال، وهنا لن يكفي المصروف اليومي فيستخدمون طرقاً أخرى للحصول على المال، وهنا الخطر الأكبر”.
ويلفت كامل إلى أن “قصصاً مرعبة وأخرى مخجلة وخارجة عن أخلاقيات مجتمعنا ارتكبت بهذه الدوافع، والكثير من القصص لم تنشر ولم تعلن والمختصون التربويون والنفسيون على اطلاع بها”.
وكان المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان حذر في بيان أصدره في أغسطس/ آب 2024 من حجم الإنفاق المرتبط بالألعاب القتالية، مثل “بوبجي” وباقي الألعاب القتالية. وقدّر رئيس المركز فاضل الغراوي بأن “هذه الألعاب تسببت في خروج مليار دولار من العراق عبر شراء بطاقات الشحن والدعم والحسابات“.







