يقترح مختصون تحويل أجزاء من الصحراء العراقية إلى وجهات للسياحة البيئية والمغامرات والتخييم ومراقبة النجوم، مع إنشاء قرى ومنتجعات صغيرة تعتمد على الطاقة الشمسية وتوفر فرصاً استثمارية للسكان والقطاع الخاص.
تمتد الصحراء العراقية على مساحات شاسعة حاملة في تضاريسها الهادئة ومشهدها المفتوح فرصاً سياحية واقتصادية لا تزال في معظمها خارج دائرة الاستثمار، وبين رمالها ومواقعها الطبيعية والتاريخية، تبرز إمكانية صناعة وجهات سياحية جديدة، تنعش الاقتصاد المحلي وتفتح أبواباً للتنمية وفرص العمل إذا ما استثمرت وفق رؤية علمية ومستدامة.
يقول محمد جاسم العبيدي، عميد كلية العلوم السياحية في الجامعة المستنصرية إن العراق يمتلك مساحات صحراوية واسعة تشكل مورداً سياحياً واقتصادياً مهماً، إلا أن جزءاً كبيراً منها ما يزال غير مستثمر بالشكل الذي يتناسب مع إمكاناته الطبيعية والجغرافية والتاريخية.
ويبين العبيدي أن “الصحراء العراقية رغم اتساع مساحاتها وما تمتلكه من مقومات طبيعية وبيئية وتاريخية لا تزال غير مستثمرة بصورة فعلية باستثناء حالات فردية هنا وهناك”، مبيناً أن بالإمكان تحويل هذه المناطق من مساحات غير مستغلة إلى وجهات سياحية جاذبة، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل ودعم الاقتصاد المحلي.
وأوضح أن استثمار الصحراء سياحياً يمكن أن يتم من خلال إنشاء مواقع مخصصة للسياحة الصحراوية تعتمد على التخييم، ورحلات السفاري والمغامرات، ومراقبة النجوم، والسياحة البيئية، فضلاً عن تنظيم الفعاليات التراثية والثقافية، بجانب ربط المناطق الصحراوية بالمواقع الأثرية والتاريخية والدينية القريبة منها، بما يسهم في تكوين مسارات سياحية متكاملة.
وأشار إلى إمكانية استغلال الصحراء في المجال الزراعي وتحويل بعض المناطق المناسبة منها إلى مناطق زراعية، لوجود العديد من البحيرات والعيون المائية، فضلاً عما تمتاز به أرض العراق من خزين للمياه الجوفية الصالحة لهذا الغرض، الأمر الذي يفتح مجالات إضافية للاستثمار والتنمية في المناطق الصحراوية.
منتجعات سياحية صحراوية
وبين العبيدي أن من بين المشاريع الممكن تنفيذها إنشاء قرى ومنتجعات سياحية صحراوية صغيرة تعتمد على الطاقة الشمسية، وتوفر خدمات الإيواء والمطاعم والأسواق الشعبية والحرف اليدوية والمنتجات المحلية، مع إشراك القطاع الخاص في إنشاء هذه المشاريع وإدارتها وفق خطط استثمارية مدروسة.
وأكد أن قرب هذه المناطق من مراكز المحافظات والأقضية والنواحي يمثل عاملاً مهماً في نجاح مثل هذه المشاريع، ولا سيما في حال العمل على توفير البنى التحتية اللازمة لها، بما يسهم في إنعاش المناطق الصحراوية وتحويلها إلى وجهات سياحية واقتصادية فاعلة.
وأضاف أن المردود المالي من الاستثمار السياحي في الصحراء لا يرتبط فقط برسوم الدخول، وإنما يشمل مجالات متعددة، من بينها الإقامة والنقل والمطاعم والأنشطة السياحية والخدمات الترفيهية والتسوق، فضلاً عن رسوم المواقع والفعاليات، إلى جانب فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي يمكن أن توفرها هذه المشاريع للسكان المحليين.
وأكد العبيدي أن الدراسات العليا في الجامعات العراقية، ولا سيما طلبة الماجستير والدكتوراه، يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في دراسة فرص الاستثمار السياحي في المناطق الصحراوية، مبيناً أن كلية العلوم السياحية في الجامعة المستنصرية لديها محاولات مهمة في هذا المجال، من خلال توجيه البحوث والدراسات نحو تقييم المناطق الصحراوية القابلة للاستثمار السياحي.
وأوضح أن بإمكان كل دراسة أن تتناول منطقة محددة من حيث مقوماتها الطبيعية والتاريخية، وطاقة الاستيعاب السياحي، والبنية التحتية المطلوبة، وكلفة المشروع، وفرص العمل التي يمكن أن يوفرها، فضلاً عن حجم الإنفاق السياحي والعائد الاقتصادي المتوقع.
ومن هذا المنطلق، اقترح العبيدي أن تتبنى الجامعة مشروعاً بحثياً متكاملاً يتمثل في إعداد “خارطة استثمار سياحي للصحراء العراقية”، تجمع نتائج بحوث طلبة الدراسات العليا وتحولها إلى دراسات تطبيقية قابلة للتنفيذ، يمكن تقديمها إلى الجهات الحكومية والمحافظات والمستثمرين للاستفادة منها في وضع الخطط والمشاريع المستقبلية.
ويرى أن استثمار الصحراء العراقية سياحياً يمثل فرصة مهمة لتعزيز التنمية المستدامة وتنويع الاقتصاد وتوفير فرص العمل، وتنشيط المناطق المحلية وإبراز الهوية الطبيعية والتراثية للعراق، مشدداً على ضرورة أن يتم هذا الاستثمار وفق تخطيط علمي يحافظ على البيئة ويضمن استدامة الموارد السياحية.
ووفقاً للجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط، فإن الأراضي المهددة بالتصحر بضمنها الأراضي الصحراوية، والمتصحرة بلغت 96.5 و40.4 مليون دونم، وبنسبة 55.5% و23.2% على التوالي من مساحة العراق بضمنها المياه الإقليمية خلال عام 2024، نتيجة التغيرات المناخية. فيما بلغت 41.89 بالمئة من إجمالي مساحة العراق خلال عام 2023.







