بين الجرافات والآثار يقف العراق أمام معادلة معقدة؛ فالحاجة المتزايدة إلى مشاريع الإسكان تتصادم مع ضرورة حماية إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، في ظل وجود آلاف المواقع التي لم تُستكشف بعد.
لم تعد أزمة السكن في العراق تقاس بعدد الوحدات السكنية المطلوبة فحسب، بل باتت تطرح سؤالا آخرَ يتعلق بالأراضي التي تقام عليها تلك المشاريع.
ففي بلد يحتضن أحد أكبر المخزونات الأثرية في العالم، يثير التوسع العمراني المتسارع مخاوف من امتداده إلى أراضٍ ذات قيمة أثرية، أو إلى مواقع لم تخضع للتنقيب العلمي الكامل، ما يضع التنمية العمرانية أمام اختبار حقيقي في كيفية التوفيق بين الحاجة إلى السكن والحفاظ على الإرث الحضاري.
بين التنمية والحفاظ على التاريخ
وقد أعرب مختصون عن قلقهم إزاء ما يحدث، وهم يؤكدون أن آلاف التلال والمواقع الأثرية في العراق لا تزال مطمورة تحت الأرض، ولم تُستكمل أعمال التنقيب فيها، ما يجعل أي تغيير في استعمالات الأراضي يتجاوز كونه قراراً عمرانياً إلى قضية تمس الذاكرة التاريخية للبلاد.
في مقابل هذا، تؤكد الجهات الحكومية أن تزايد الحاجة إلى المجمعات السكنية وتوسعة المدن يفرض البحث عن أراضٍ جديدة، ضمن إجراءات قانونية ورقابية تهدف إلى ضمان عدم تعارض المشاريع مع المواقع الأثرية أو التراثية.
وبين الحاجة المتزايدة إلى توفير الأراضي للمشاريع السكنية، وواجب الدولة في حماية أحد أقدم الآثار أو الإرث الحضاري في العالم، يبرز سؤال يتجاوز حدود التخطيط العمراني: هل نجحت المؤسسات العراقية في تحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على التاريخ، أم أن بعض المشاريع قد تُقام فوق صفحات من الماضي لم تُكشف أسرارها بعد؟
تجريف وتوسع
في العراق، لا تُقاس قيمة الأرض بما يظهر فوقها فحسب، بل بما قد تختزنه في باطنها أيضاً؛ فبينما تتسارع مشاريع التوسع العمراني لمواكبة النمو السكاني ومعالجة أزمة السكن، تمتد أعمال التجريف والإنشاء إلى أراضٍ يُعتقد أن بعضها يحتضن طبقات حضارية لم تُنقَّب بعد، في بلد يُعد من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية التي لا تزال أجزاء واسعة منها خارج نطاق الاكتشاف العلمي.
ولا تكمن الإشكالية في التوسع العمراني بحد ذاته فحسب، وما تفرضه مشاريع الإسكان من تحولات سكانية واقتصادية، بل في طبيعة الأراضي التي تُخصص لهذه المشاريع، وما إذا كانت تخضع قبل إحالتها إلى مسوحات أثرية ودراسات علمية تكشف ما قد تحتويه من شواهد تاريخية، قبل أن تغيّرها الجرافات بصورة لا يمكن التراجع عنها.
حماية الإرث التاريخي
ويبيّن الباحث والمهتم بالتراث البغدادي الدكتور ياسر العبيدي أن التوسع العمراني بات يمثل أحد أكثر التحديات تعقيداً أمام حماية الإرث التاريخي، مبيناً أن بغداد ليست مدينة أُنشئت على أرض بكر، بل قامت فوق طبقات حضارية متعاقبة، ما يجعل أي مشروع عمراني داخلها أو في محيطها بحاجة إلى قراءة أثرية تسبق التنفيذ، لا سيما في المناطق التي يُحتمل احتواؤها على شواهد تاريخية.
ويشير العبيدي إلى أن الخطر لا يقتصر على المواقع الأثرية المعلنة، بل يمتد إلى الأراضي التي لم تخضع للتنقيب العلمي بعد، والتي قد تضم معالم تاريخية لا تزال مطمورة تحت سطح الأرض، مستشهداً بموقع “تل حرمل” في بغداد بوصفه أحد المواقع التي تتطلب حماية مستمرة وتأهيلاً ينسجم مع قيمته الحضارية، مؤكداً أن الحفاظ على الآثار لا يعني تعطيل التنمية، وإنما إخضاعها لتخطيط علمي يوازن بين الحاجة إلى التوسع العمراني وواجب صون الذاكرة التاريخية للبلاد.
اعتماد رؤية عمرانية تراعي الخصوصية الأثرية
ويضيف العبيدي أيضاً أن المدن التاريخية لا يمكن التعامل معها بوصفها أراضي قابلة للبناء فقط، لأنها تحمل في طبقاتها شواهد على مراحل متعاقبة من تاريخ العراق، وهو ما يفرض اعتماد رؤية عمرانية تراعي الخصوصية الأثرية، وتمنع زحف المشاريع إلى المناطق ذات القيمة التاريخية قبل استكمال الدراسات اللازمة بشأنها.
ويخلص إلى أن خسارة أي موقع أثري لا تعني فقدان معلم تاريخي فحسب، بل تعني ضياع مصدر معرفي لا يمكن تعويضه؛ لأن الموقع الأثري، بمجرد تجريفه أو إزالة طبقاته الحضارية، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته العلمية، لتُطوى معه صفحات من تاريخ العراق قبل أن تُقرأ بالكامل.








