تعوّل الحكومة العراقية على مشاريع الغاز الجديدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي خلال السنوات القليلة المقبلة، غير أن الطموحات لا تتوقف عند حدود تلبية الطلب المحلي، بل تمتد إلى إمكانية تصدير الغاز للأسواق الإقليمية والأوروبية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى واقعية هذا الهدف والتحديات التي تعترضه.
وقال المتحدث باسم وزارة النفط، سليم الركابي إن مشروع نمو الغاز المتكامل في حقل أرطاوي يأتي ضمن الخطط الاستراتيجية للوزارة الرامية إلى تقليل نسب حرق الغاز المصاحب ودعم محطات توليد الكهرباء، كاشفاً عن السقف الزمني الفعلي لبدء جني نتائج المشروع”.
وبين أن الخطة تستهدف الوصول إلى إنتاج 300 مليون قدم مكعب قياسي (مقمق) بحلول نهاية عام 2028 كمرحلة أولى، تليها المرحلة الثانية لإنتاج 300 مليون قدم مكعب قياسي (مقمق) إضافية فور اكتمال البنى التحتية.
وأضاف الركابي أن مشروع نمو الغاز المتكامل في حقل أرطاوي، الواقع جنوب البلاد، يمثل أحد أضخم المشاريع الاستراتيجية الواعدة، إذ يهدف إلى تجميع ومعالجة الغاز المصاحب المحروق من خمسة حقول نفطية رئيسية هي: أرطاوي، ومجنون، وغرب القرنة/2، واللحيس، والطوبة.
وأكد أن المشروع، المندرج ضمن الاتفاق الإطاري التاريخي مع شركة توتال إنيرجيز الفرنسية، لن يقتصر على رفد محطات الكهرباء بـ600 مليون قدم مكعب قياسي (مقمق) من الغاز الجاف الصالح للتشغيل، بل سيسهم أيضاً في إيقاف الهدر المالي الناجم عن حرق الغاز، وتحقيق الاكتفاء الذاتي للعراق، فضلاً عن إدخال تكنولوجيا الطاقة النظيفة عبر إنشاء محطة طاقة شمسية عملاقة بسعة 1 غيغاواط لدعم الشبكة الوطنية وتوفير مصادر طاقة مستدامة.
اتخاذ قرارات جادة
وأكد المتخصص بالشأن الاقتصادي والطاقة والنفط والغاز، كونفيد شرواني، أن العراق يمتلك احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعي تتجاوز 130 تريليون قدم مكعب قياسي، ما يضعه في المرتبة الحادية عشرة أو الثانية عشرة عالمياً، إلا أن إنتاجه الحالي لا يزال بحدود 1500 مليون قدم مكعب، بسبب التأخر في اتخاذ قرارات جادة لاستثمار الغاز خلال العقدين الماضيين.
وقال شرواني إن نسبة استثمار الغاز المصاحب للنفط بلغت نحو 70%، مع وجود خطط لدى وزارة النفط لرفعها إلى 100% خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة، مبيناً أن الوصول إلى هذه النسبة سيتيح للعراق تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، والاستغناء عن استيراد الغاز والكهرباء من إحدى الدول المجاورة، بما يوفر على الدولة ما بين 4 و5 مليارات دولار سنوياً.
الاعتماد على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة
وأوضح أن العقبة الأساسية التي أعاقت استثمار الغاز تتمثل في اعتماد العراق على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة، ما أدى إلى غياب القرارات الجدية الخاصة باستثمار الغاز الطبيعي، لافتاً إلى أن أسعار الغاز تضاعفت ثلاث أو أربع مرات منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في شباط 2022، وكان بالإمكان تحقيق عوائد مالية كبيرة لو اتخذت خطوات مبكرة لاستثمار هذه الثروة، وربما تجاوز العراق مرحلة الاكتفاء الذاتي ووصل إلى مرحلة التصدير.
وأشار شرواني إلى أن انقطاع إمدادات الغاز الإيراني، التي تبلغ نحو 50 مليون متر مكعب يومياً، تسبب بخسارة العراق نحو 3000 ميغاواط من إنتاج الكهرباء، مؤكداً أن إنتاج هذه الكميات محلياً من حقول الغاز أو الحقول المشتركة للنفط والغاز سيتيح استعادة هذه القدرة، بل وتحقيق زيادات تتراوح بين 6000 و7000 ميغاواط إضافية، في حال تسريع مشاريع استثمار الغاز وعزل الغاز عن النفط في حقول جنوب العراق.
توتال إنيرجي
وأضاف أن أحد أبرز المشاريع في هذا المجال يتمثل بالعقد المبرم مع شركة “توتال إنيرجي” الفرنسية، الذي يتضمن عزل نحو 600 مليون قدم مكعب قياسي من الغاز في حقول الجنوب، وهو ما سيشكل رافداً مهماً لتجهيز الوقود اللازم لمحطات إنتاج الطاقة الكهربائية في جنوب العراق.
وبيّن أن الغاز الطبيعي في العراق يتوزع في مواقع مختلفة، منها حقول الغاز الحر مثل حقل المنصورية في محافظة ديالى، وحقل عكاس في محافظة الأنبار، وحقل السيبة في محافظة البصرة، فضلاً عن كميات كبيرة من الغاز المصاحب للنفط في العديد من الحقول، مؤكداً أن الحاجة تكمن في تجميع هذا الغاز وكبسه ونقله إلى محطات إنتاج الكهرباء للاستفادة منه.
ورأى شرواني أن تقدم مشاريع استثمار الغاز سيُمكّن العراق من الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي خلال ثلاثة أو أربعة أعوام، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة التصدير، مرجحاً أن يكون التصدير عبر خطوط الأنابيب باتجاه الأسواق الأوروبية التي تشهد طلباً متزايداً على مصادر الطاقة.
الأسواق الأوروبية
وأضاف أن هناك أفكاراً لمشاريع ربط الغاز الطبيعي عبر العراق، عبر نقل الغاز من قطر مروراً بمياه الخليج ثم العراق وتركيا وصولاً إلى أوروبا، معتبراً أن هذه المشاريع قد تتيح للعراق مستقبلاً التحول إلى أحد كبار مصدري الغاز الطبيعي إلى دول أوروبا الغربية.
وأكد أن من أبرز المعوقات التي تؤخر استثمار الغاز الطبيعي والانتقال من مرحلة الاكتفاء إلى مرحلة التصدير الحاجة إلى استثمارات كبيرة، فضلاً عن أن تقنيات صناعة الغاز تختلف عن التقنيات المستخدمة في قطاع النفط، ما يتطلب الاستعانة بشركات متخصصة بهذا المجال.
مرحلة إنتاج وتصدير الغاز
وأشار إلى أنه كان من المفترض، منذ عام 2003، العمل بوتيرة متسارعة على استكشاف واستثمار الغاز بالتوازي مع مشاريع تطوير القطاع النفطي، لضمان الاستفادة من الثروتين معاً.
وختم شرواني بالقول إن الغاز الطبيعي يمتلك ميزة إضافية تتمثل في عدم وجود سقف للكميات الممكن إنتاجها وتصديرها، خلافاً للنفط الذي يخضع لقيود منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك بلس”، مؤكداً أن انتقال العراق إلى مرحلة إنتاج وتصدير الغاز سيفتح المجال أمام تصدير كميات غير محددة، بما يحقق عوائد مالية كبيرة تسهم في دعم الاقتصاد العراقي خلال المرحلة الحالية.








