حيدر الجابري.
في الحياة النيابية، ثمة مواقع لا تُقرأ بوصفها مجرد استحقاقات إجرائية، ولا تُفهم باعتبارها جزءاً من الترتيبات المعتادة داخل المؤسسة التشريعية، بل تكتسب معناها الحقيقي من طبيعة الدور الذي تنهض به، ومن حساسية المرحلة التي تأتي فيها، وحجم الرهانات المعلّقة عليها. ومن هذا الباب تحديداً، يمكن النظر إلى تصويت مجلس النواب العراقي على اختيار النائب ناظم الأسدي عضواً في لجنة النزاهة النيابية؛ بوصفه خطوة تتجاوز حدود الإجراء البرلماني إلى فضاء الدلالة السياسية والرقابية والوطنية
فـلجنة النزاهة ليست لجنة هامشية في بنية البرلمان، ولا واجهة شكلية تُضاف إلى السيرة الذاتية للنائب، بل هي واحدة من أكثر اللجان اتصالاً بجوهر الأزمة العراقية وتعقيداتها المزمنة. وحين يتعلق الأمر بالفساد، فإننا لا نتحدث عن ملف إداري قابل للتأجيل، ولا عن خلل عابر يمكن تجاوزه بالمعالجات اللفظية، بل عن معضلة بنيوية استنزفت الدولة، وأثقلت كاهل المجتمع، وبددت فرص التنمية، وعمّقت الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم. لذلك، فإن الجلوس على مقعد داخل هذه اللجنة ليس امتيازاً سياسياً، بقدر ما هو دخول إلى حقل بالغ الوعورة، لا يثبت فيه إلا من يملك وضوح الموقف وصلابة الإرادة.
ولعل ما يمنح هذا الاختيار وزنه الحقيقي، أن النائب ناظم الأسدي لا يصل إلى هذه المهمة من فراغ، ولا يعبر إليها بصفة عابرة، وإنما يستند إلى رصيد من الحضور النيابي والمتابعة السياسية والالتصاق بشؤون المواطنين، فضلاً عن صورة عامة تشكلت حوله بوصفه واحداً من الوجوه التي سعت إلى أن تحافظ على مسافة قريبة من وجع المواطن، وعلى خطاب يتكئ على المسؤولية أكثر من اتكائه على الاستعراض
في مثل هذه المواقع، لا تكون القيمة في شغل المنصب بحد ذاته، بل في أهلية شاغله. وهنا تحديداً، تبدو الثقة التي أفضت إلى اختيار ناظم الأسدي عضواً في لجنة النزاهة أقرب إلى أن تكون ذهاباً طبيعياً للمسؤولية نحو من يستطيع حملها، لا مجرد توزيع للأدوار داخل المشهد النيابي. ذلك أن الحاجة في هذا التوقيت لم تعد إلى أسماء تملأ المقاعد، بل إلى شخصيات يمكن أن تضيف إلى اللجنة معنى جديداً للحضور، ومضموناً فعلياً للرقابة، ونفساً صبوراً في ملاحقة الملفات التي طالما أرهقت الدولة وأساءت إلى فكرة العدالة ذاتها.
وإذا كانت الأزمات الكبرى تكشف معدن الرجال، فإن ملف النزاهة في العراق ظل على الدوام واحداً من أكثر الميادين اختباراً لصدقية الخطاب السياسي. فمن السهل أن يتحدث الجميع عن مكافحة الفساد، لكن الصعوبة تبدأ عندما يتحول هذا الشعار إلى التزام عملي، وعندما تستدعي المواجهة قدراً من الجرأة لا يتوافر لكثيرين، وقدرة على الصمود أمام الضغوط، وميلاً إلى الانحياز للقانون حتى في أكثر اللحظات كلفة. ولذلك، فإن الانضمام إلى لجنة النزاهة لا يمنح صاحبه وجاهة إضافية، بقدر ما يضعه في مواجهة امتحان عسير، لا مكان فيه للمواقف الرمادية ولا للبلاغة المجانية.
في هذا السياق، يبدو الرهان على دور النائب الأسدي مشروعاً بقدر ما هو كبير. فالرجل يدخل إلى واحدة من أكثر الواجهات البرلمانية احتكاكاً بتطلعات الشارع، في وقت لم يعد المواطن العراقي يكتفي بسماع العناوين العامة عن الإصلاح، بل صار يتطلع إلى نتائج ملموسة، وإلى رقابة حقيقية، وإلى مساءلة تلامس مكامن الخلل الفعلية، لا أن تدور حولها. ومن هنا، فإن أي جهد يُبذل داخل هذه اللجنة سيكون محكوماً بميزان دقيق: هل استطاع أن يقترب من جوهر المشكلة؟ وهل نجح في تحويل الدور الرقابي من وظيفة شكلية إلى فعل مؤثر؟ وهل تمكن من أن يمنح المواطن سبباً إضافياً للثقة بالدولة؟
ثمّة بُعد آخر لهذا الاختيار لا ينبغي إغفاله، وهو ما يمثله من حضور متقدم لأبناء محافظة بابل في مواقع القرار الوطني. غير أن أهمية هذا الحضور لا تكمن في بُعده التمثيلي فحسب، بل في قدرته على إنتاج نموذج مسؤول في الأداء العام، يثبت أن المحافظات العراقية ليست خزانات انتخابية وحسب، وإنما هي أيضاً منابت للكفاءات القادرة على الاضطلاع بمهام الدولة الكبرى، وعلى التقدم إلى الصفوف الأمامية حين تستدعي الحاجة رجالاً لا متفرجين.
لكن، وفي لغة السياسة الواقعية، لا بد من القول إن الطريق إلى أداء مؤثر داخل لجنة النزاهة لن يكون معبّداً. فملفات الفساد في العراق لم تعد مجرد وقائع متفرقة، بل تشابكات عميقة تتداخل فيها المصالح والنفوذ والحسابات المعقدة. ولهذا، فإن أي محاولة جادة للاشتباك مع هذا الملف تحتاج إلى ما هو أبعد من النوايا الحسنة؛ تحتاج إلى صبر مؤسسي، وإلى شجاعة أخلاقية، وإلى استعداد دائم لدفع أثمان الموقف. وهذه هي النقطة التي تتحول فيها المسؤولية من لقب إلى امتحان، ومن موقع إلى عبء، ومن فرصة سياسية إلى واجب وطني ثقيل.
وحين يؤكد النائب ناظم الأسدي أن مهمته في لجنة النزاهة ستكون عملاً حقيقياً وجاداً لمتابعة ملفات الفساد وكشف مكامن الخلل والدفاع عن حقوق المواطنين، فإن هذا الكلام، على أهميته، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره وعداً للاستهلاك الإعلامي، بل باعتباره تعهداً يفتح الباب على مساءلة مشروعة ومستمرة. فالمواطن الذي أنهكته الخيبات لم يعد يطلب الكثير من البلاغة، بل يريد أن يرى أثراً، وأن يلمس تحولاً، وأن يشعر بأن في الدولة من لا يزال ينظر إلى المال العام بوصفه أمانة، وإلى المنصب بوصفه تكليفاً، لا غنيمة.
إن قيمة هذا الاستحقاق، في نهاية الأمر، لا تنبع من كونه خبراً نيابياً يمر في سياق الأخبار اليومية، بل من كونه يضع رجلاً في قلب واحدة من أكثر المهمات تعقيداً وارتباطاً بمستقبل الدولة. وإذا كان للنائب ناظم الأسدي أن يكتب المعنى الكامل لهذه الخطوة، فإن ذلك لن يتحقق إلا عبر ممارسة رقابية تليق بحجم الثقة التي نالها، وبحجم التحديات التي تواجه البلاد، وبحجم الآمال المعلّقة على كل من يتصدى لملف بهذا القدر من الخطورة والحساسية.
لقد ذهبت الثقة إلى موقعها الطبيعي، لكن القيمة الحقيقية ستبقى رهناً بما إذا كان هذا الموقع سيتحول إلى منصة فعل ومواجهة ومساءلة. وهناك فقط، لا في اللغة ولا في المجاملة، يبدأ المعنى الفعلي للنزاهة، ويبدأ الامتحان الحقيقي للرجال.







