في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الالتزامات الأسرية، لم يعد انتهاء الدوام الحكومي يعني نهاية يوم العمل بالنسبة إلى كثير من الموظفين العراقيين، إذ يتحول بعضهم إلى سائقين وباعة وعمال توصيل وأصحاب مشاريع صغيرة، في محاولة لسد الفجوة بين الرواتب والنفقات المتزايدة.
-في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الالتزامات الأسرية، لم يعد انتهاء الدوام الحكومي يعني نهاية يوم العمل بالنسبة إلى كثير من الموظفين العراقيين، إذ يتحول بعضهم إلى سائقين وباعة وعمال توصيل وأصحاب مشاريع صغيرة، في محاولة لسد الفجوة بين الرواتب والنفقات المتزايدة.
لا ينتهي يوم العمل بالنسبة إلى كثير من الموظفين الحكوميين في العراق بمجرد مغادرتهم دوائرهم الرسمية، فمع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد متطلبات الأسر، يتحول انتهاء الدوام الحكومي بالنسبة إلى بعضهم إلى بداية دوام آخر، في محاولة لتأمين دخل إضافي يساعدهم على مواجهة نفقات باتت تثقل ميزانيات الأسر.
وبين راتب حكومي لا يغطي، وفق شهاداتهم، جميع الاحتياجات، ومصاريف تتوزع بين السكن والعلاج والتعليم ومستلزمات الأبناء، يجد هؤلاء الموظفون أنفسهم أمام خيار العمل لساعات طويلة، تتسبب بإرهاق جسدي ونفسي مستمر.
بدوره، قال مصطفى ساجد يتحدث مبيناً أنه بعد انتهاء ساعات عمله الحكومي، لا يتجه إلى منزله لقضاء بقية يومه مع عائلته، بل يصعد إلى حافلة للنقل العام ليبدأ ست ساعات أخرى من العمل. وصرح أن حاجته إلى مصدر دخل إضافي جاءت نتيجة تزايد المصاريف الأسرية، خاصة ما يتعلق بالاحتياجات اليومية والعلاج والدراسة.
وأضاف أن العمل المسائي أصبح جزءاً ثابتاً من برنامجه اليومي، رغم ما يتركه من آثار على صحته ووقته مع أسرته، موضحاً: “أحتاج إلى ساعة واحدة فقط للراحة بعد عودتي من الدوام الحكومي، وبعدها أخرج للعمل. أمضي نحو ستّ ساعات في قيادة الحافلة، قبل أن أعود إلى المنزل في وقت متأخر، وهو ما يجعل النوم والراحة محدودين مقارنة بساعات العمل التي أقضيها خارج المنزل”.
وعلى الرغم من أن الأمر متعب جداً، وفق قوله، إلّا أنه يرى أن ترك العمل الإضافي يعني التخلي عن جزء مهم من الدخل الذي تعتمد عليه أسرته في تلبية احتياجاتها.
ولا يختلف يوم عباس الكناني (39 عاماً) كثيراً عن يوم ساجد من حيث طول ساعات العمل، لكنه يختلف في طبيعة العمل والمخاطر التي ترافقه. فبحسب حديثه قال إنه ما إن ينتهي دوامه الحكومي حتى يبدأ عمله الآخر سائقاً لدراجة يستخدمها في توصيل الطلبات، حيث تمتد ساعات عمله في هذا المجال إلى سبع ساعات، وأحياناً أكثر.
وباحتساب ساعات الدوام الحكومي والعمل الخاص، صرح الكناني أن يومه قد يتجاوز 15 ساعة من العمل، فيما لا يحصل سوى على نحو خمس ساعات من النوم. وأكد أن الإرهاق أصبح شديداً ومستمراً، ولا سيّما مع القيادة لساعات طويلة والتنقل بين مناطق مختلفة، لكنه يحرص على النوم مبكراً قدر الإمكان عندما تسمح ظروف العمل.
ويجد في يوم إجازته الأسبوعية فرصة نادرة لاستعادة جزء من عافيته: “أنام أحياناً أكثر من عشر ساعات في يوم الإجازة”، يقول، موضحاً أن جسده يكون بحاجة إلى تعويض ساعات النوم التي يفقدها خلال بقية أيام الأسبوع. ويؤكد أن الدخل الإضافي، رغم أنه يأتي على حساب الراحة، يساعده على مواجهة نفقات أسرته.
مشروع خاص
أما بالنسبة إلى وليد خماس (51 عاماً)، فلم يكن العمل الإضافي مرتبطاً بوظيفة لدى شخص آخر، بل بمشروع خاص أصبح شراكة عائلية؛ إذ يعمل في صناعة وبيع الطرشي بالشراكة مع أشقائه الثلاثة، ويستغل ساعات المساء لإنجاز الأعمال، بدءاً من تجهيز المواد الأولية وصولاً إلى التعليب والتغليف والتهيئة، لكي تكون البضاعة جاهزة للبيع أثناء النهار. وقال إن المشروع يوفر له دخلاً إضافياً يساعده على تحمل الأعباء الأسرية المتزايدة.
ولا يختلف حال موظف آخر عن سابقيه، وفق ما تروي سرى علي، وهي تتحدث عن زوجها الذي اضطر إلى تحويل سيارته الحوضية إلى محل متنقل لبيع أحذية الأطفال والنساء.
وقالت إن زوجها يختار أماكن محددة قرب المناطق التي تشهد حركة جيدة في أوقات معينة من اليوم، ثم ينتقل إلى منطقة أخرى عندما تكون حركة البيع ضعيفة، وقد يستمر في العمل حتى منتصف الليل أحياناً، بحسب ما تحققه المبيعات خلال النهار.
وتوضح أن الهدف هو ألّا يقل دخله اليومي عن 40 ألف دينار (نحو 30 دولاراً)، لأن هذا المبلغ يمثل جزءاً مهماً من الأموال التي تحتاجها الأسرة لتغطية متطلباتها الإضافية.
ويتفق الجميع على أنّ الأسرة العراقية اليوم تواجه نفقات متعدّدة، بينها تكاليف العلاج والدراسة ومستلزمات الأبناء والسكن وأجور مولدات الكهرباء وخطوط نقل الطلاب، فضلاً عن المصاريف اليومية التي ترتفع باستمرار، لذلك أصبح العمل الإضافي، بالنسبة إلى الزوج، وسيلة للحفاظ على قدرة الأسرة على الوفاء بالتزاماتها.
وما يشجع الموظفين على إيجاد عمل إضافي هو “العجز في ميزانية الدولة”، وفق ما قال أحمد الحسيني، وهو موظف يملك محلاً لبيع الملابس النسائية، إذ يصف عمله الخاص بـ”طوق النجاة” في حال توقف الرواتب أو تأخر توزيعها، مؤكداً أن “الخوف من عدم تمكن الجهات الحكومية من تأمين الرواتب دفع كثيراً من الموظفين إلى إيجاد أعمال خاصة”.







