علاء حيدر السلامي
يقدم الكاتب قراءة تحليلية اجتماعية لظاهرة التحرش، مؤكداً أنها جريمة أخلاقية مرفوضة يتحمل مرتكبها كامل المسؤولية دون أي تبرير. ويناقش المقال أبعاد الظاهرة الشاملة التي تتجاوز الفردية لتصبح قضية سلوكية تؤرق المجتمعات، مستعرضاً دور ضعف المصدات الأخلاقية والالتزام بالاحتشام، إلى جانب خطورة التجييش الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي…
اتذكر جيدا عندما كنت طالبا في كلية الآداب والحديث مع احدى الطابات التي استهجنت وقتها الانظار اليها خلال زيارتها احدى المدن المحافظة في سفرة جامعية، وسألتها مستغربا هل لبست العباءة، قالت بتكبر “لا ..اكيد” فقلت لها انك حالة غريبة جدا على مجتمع محافظ، لذا كانت العيون ترمقك في كل مكان.. هذا الامر استحضرني عندما اتابع على السوشيال ميديا بين الحين والاخر بعض الفيديوهات التي تصور “التحرش” الذي للأسف تحول من حالات فردية مستهجنة، هنا وهناك، الى ظاهرة سلبية وقضية سلوكية مقرفة باتت تؤرق المجتمعات ليس المجتمع العراقي فحسب، على ان اغلب اصحاب تلك الفيديوهات تستهجن طرفا معينا وتترك الطرف الاخر الذي ربما يكون سببا في تلك الظاهرة او الحالة، ولست هنا بصدد تبرئة ساحة المعتدي او ايجاد عذر لسلوك مرفوض دينيا وقانونيا واجتماعيا، فالتحرش جريمة اخلاقية يتحمل مرتكبها كامل المسؤولية عن فعله الدنيء دون قيد أو شرط، بيد ان القراءة المنصفة للظاهرة تستدعي التوقف امام اسبابها الشاملة وتداعياتها .
ان المعالجة الجادة لهذه الظاهرة المرفوضة لا يمكن ان تتجاهل طبيعة البناء الأخلاقي والاجتماعي الذي يستند إليه المجتمع، اذ يبدا الحل الحقيقي من فهم العوامل التي ادت الى خرق السكينة العامة والتعدي على حرمات الافراد، كون المنظومة القيمية التي تعارفت عليها مجتمعاتنا عبر العقود، والمعززة بالتعاليم الدينية الرصينة، شكلت دوما درعا حاميا للفرد والجماعة.
وتتجسد هذه المنظومة في الالتزام بقواعد الاحترام المتبادل، والتمسك بالاحتشام والسلوك القويم الذي يشمل كافة أفراد المجتمع دون استثناء، وفي المقابل، فان التراجع عن هذه الضوابط والاندفاع نحو مظاهر الاستعراض المبتذل واللبس الفاضح يؤدي بطبيعة الحال إلى ضعف المصدات الاخلاقية داخل الفضاء العام، مما يفتح الباب امام سلوكيات منحرفة تتجاوز حدود الادب والضوابط العامة.
على ان هذا الامر لم يتوقف عند حدود السلوك الفردي في الشارع، بل امتد الى الفضاء الرقمي الذي بات منصة لإعادة رسم المفاهيم وتوجيه الرأي العام، فالكثير من الحوادث يتم تداولها وتكثيف النشر حولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليس بدافع المعالجة او الإصلاح، بل لتكريس انطباعات معينة تخدم شعارات براقة تتستر خلف الحرية المطلقة، وتعمل هذه الطروحات على تصوير التخلي عن الاعراف والتعاليم الدينية وكانه انجاز فكري او حق فردي، مما يساهم في تفكيك البنية الاجتماعية واشاعة الفوضى السلوكية بين الشباب من الجنسين .
ان اعادة صيانة المجتمع سيحميه حتما من الانزلاق نحو هذه الآفات والتي تتطلب منا مراجعة شجاعة للخطاب الثقافي والاعلامي، والتأكيد المستمر على ان الحرية الحقيقية تنتهي عندما تبدأ حدود القيم والأعراف الحاكمة، ولن يترسخ الامان والاستقرار المجتمعي الا بالعودة إلى التوازن الأصيل، وتحمل الجميع مسؤوليتهم في حفظ الانضباط العام وحماية الهوية الاخلاقية والدينية من دعوات التفلت والضياع.







