عزيز ملا هذال
مواجهة الفضول الاجتماعي المتطفل تتطلب وعياً صارماً بـالهندسة النفسية للحدود، وتفعيل مهارات الحزم السلوكي والغموض الذكي إلى جانب ممارسة الانعزال الاختياري الإيجابي باعتباره مساحة ضرورية للترميم النفسي، واستراحة واعية تحمي الهوية الشخصية وتصون عفوية الإنسان وحريته من المراقبة وقلق الأداء…
نفسياً لا يحب الانسان ان يكون تحت رصد المراقبة من اقرانه من الناس، ويسعى لان يغادر مساحة المراقبة باي ثمن كان، وحين يشعر انه مراقب او ان خطواته متبوعة يشعر بالضيق والحرج وقد يقرر يكف عن المجالس والمناسبات التي يتعرض فيها لمثل هذه المواقف، فماهي أبرز الاثار النفسية التي يجنيها الانسان نتيجة المراقبة له؟، وكيف يمكن التعامل مع المشكلة؟
تعد الرغبة في الانعتاق من نظرات الآخرين غريزة بشرية أصيلة ليست مكتسبة في تكوين الانسان النفسي، فعندما يشعر أنه تحت المجهر، أو أن هناك عيناً تترصد حركاته وسكناته يتولد لديه شعور فوري بالانزعاج والنفور، ففي علم النفس، لا يفسر هذا الرفض على أنه محاولة لإخفاء خطأ ما بالضرورة، بل هو دفاع غريزي عن الهوية والحرية الشخصية والحدود التي يجب ان لا تخترق.
من الواقع:
يقول أحدهم ان أحد اقاربي يريد معرفة كل خطواتي وما املك وكم هو مقدار مرتبي الشهري، وكم مرتب افراد العائلة الاخرين وكيف ينفقون هذه المرتبات وغيرها من التفصيلات الحياتية الخاصة، وهذا الامر جعلني اتجنب الجلوس قربه في أي مكان لئلا يحاول طرح ذات الأسئلة التي لا يمل من طرحها وبالتالي يعرضني لذات الضيق والامتعاض.
ماهي مسببات الانزعاج من المراقبة؟
لعدة دواعي يكره الانسان ان يراقبه أحد من الناس مهما كانت درجة القرب او البعد عنه، ومن اهم هذه الدواعي مايلي ذكره:
اول أسباب الرفض للمراقبة هي ان المراقبة تعد انتهاك استقلالية الذات، حيث تعتبر الاستقلالية وفقاً لنظرية تقرير المصير في علم النفس واحدة من الركائز الثلاث الأساسية للصحة النفسية إلى جانب الكفاءة والشعور بالانتماء، لكن مع وجود المراقبة، يتلاشى هذا الشعور بالاستقلالية.
حيث تحمل المراقبة رسالة غير مباشرة تفهم على الفرد المراقب ليس لديه الحرية الكاملة في اختيار أفعاله، وهناك دائماً من يوجهه أو يقيمه بشكل مستمر، وهذا التقييد يفقد الإنسان دوره كـ فاعل يمارس إرادته بوعي ليصبح مجرد الة تتماشى مع توقعات من يراقبه وهذا ملا يرغب به أي انسان.
ومن دواعي كره المراقبة لكون المراقبة تولد قلق الأداء واغتيال العفوية،
فعندما نعلم أننا مراقبون ينشط لدينا ما يعرف بـالوعي الذاتي المفرط وبدلاً من أن يركز الإنسان على المهمة التي يؤديها بعفوية ينقسم انتباهه بين أداء المهمة وبين التفكير في كيف يراه الآخرون، وهذا الانقسام يولد قلقاً يضعف الأداء الطبيعي ويقتل الإبداع ويحول السلوك البشري من سلوك عالي الجودة والإنتاجية إلى سلوك متكلف ومصطنع خوفاً من النقد.
السبب الثالث ان المراقبة تتعارض مع رغبة الانسان الفطرية في الاحتفاظ على الخصوصية، اذ تعد الرغبة الفطرية في الخصوصية بمثابة مساحة ضرورية للترميم الذاتي، وليست مجرد رفاهية إضافية، فهي حاجة إنسانية تربط بين الجانبين البيولوجي والنفسي للإنسان، لذا يحتاج كل فرد مساحة خاصة تمكنه من أن يكون على طبيعته بلا قيود، بعيداً عن الأقنعة الاجتماعية والمهنية التي تفرض عليه في حياته اليومية.
كيف نحمي أنفسنا من المراقبة؟
لكي نحمي أنفسنا من المراقبة التي هي شكلاً من اشكال التدخل يجب
ممارسة الانعزال الاختياري الإيجابي الذي يعتبر مهارة نفسية أساسية تهدف إلى حماية الذات وتجديد الطاقة، هو ليس تعبيراً عن الهروب من الواقع أو استسلاماً للحزن، بل يشبه استراحة المحارب التي يحتاجها العقل لإصلاح ما ألحقت به ضغوط الحياة والعلاقات المرهقة من أضرار.
كما يجب وضع حدود في الحديث وفي كافة التعاملات مع من يحاول مراقبتنا، وعدم الإجابة على الأسئلة التي تطرح او الإجابة بطريقة مبهمة تعطي انطباع للسائل بكوننا لا نريد البوح عما يخصنا، ما يعرضه للحرج وقد يكف عن هذه السلوكيات، وبهاتين السلوكيتين قد نحمي أنفسنا قدر الممكن من خطر المراقبة من الفضوليين.
ختاماً نقول: ان مواجهة الفضول الاجتماعي المتطفل تتطلب وعياً صارماً بـالهندسة النفسية للحدود، وتفعيل مهارات الحزم السلوكي والغموض الذكي إلى جانب ممارسة الانعزال الاختياري الإيجابي باعتباره مساحة ضرورية للترميم النفسي واستراحة واعية تحمي الهوية الشخصية وتصون عفوية الإنسان وحريته.







