يرى مختصون أن إنشاء مجلس الاستقرار المالي يكشف إدراكاً رسمياً لحجم المخاطر التي تهدد الاقتصاد العراقي، في ظل الاعتماد الكبير على النفط وتذبذب الأسواق العالمية.
وقال الخبير الاقتصادي أحمد الماجدي، إن “خطوة تشكيل مجلس أعلى للاستقرار المالي تعدُّ من الخطوات المهمة في هذا التوقيت، لأنها تعكس توجهاً نحو توحيد القرارين المالي والنقدي ضمن إطار مؤسساتي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية الحالية، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار النفط والضغوط المالية العالمية والإقليمية”.
وأضاف، أن “وجود وزير المالية ومحافظ البنك المركزي ضمن عضوية المجلس يمنح هذا التشكيل أهمية كبيرة، لأن التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية يعدُّ أساساً للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وحماية قيمة العملة الوطنية وتعزيز الثقة بالاقتصاد العراقي”.
مبيناً أن “المجلس يمكن أن يسهم في إدارة السيولة، وضبط الإنفاق، وتعظيم الإيرادات غير النفطية، إلى جانب دعم الإصلاحات المصرفية والمالية التي تحتاجها المرحلة المقبلة”.
وتابع: “إذا مُنح المجلس صلاحيات واضحة وعمل وفق رؤية اقتصادية متكاملة، فمن الممكن أن يشكل منصة حقيقية لاتخاذ قرارات سريعة وفعالة لمواجهة الأزمات، وتعزيز الاستقرار المالي، ودعم البيئة الاستثمارية، وتقليل تأثير الصدمات الاقتصادية على المواطن والسوق المحلية”.
تأمين الأمن الاقتصادي
من جهته، قال الباحث الاقتصادي والأكاديمي الدكتور سالم البياتي، إن “من أولويات أي دولة تأمين الأمن الاقتصادي بكل تفاصيله، ولا سيما رسم السياسة النقدية والسياسة المالية”، مبيناً أن “التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البلد تفرض على الدولة تحديد أولويات واضحة لإدارة المرحلة الحالية”.
وأضاف، أن “الحكومة سعت إلى توفير المتطلبات الأساسية للمواطن من خلال إدارة النقد وأموال الدولة، وتمكنت رغم الصعوبات من تأمين مستوى من الاستقرار النقدي والحركة الاقتصادية والحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن”، لافتاً إلى أن “هذه الجهود تعدُّ معالجات مهمة لكنها ما زالت بحاجة إلى سياسات اقتصادية متكاملة”.
وأشار البياتي إلى “ضرورة تبني سياسة اقتصادية شاملة من قبل الحكومة الجديدة تتضمن السياسة المالية والنقدية، مع دعم استقلالية المؤسسات المالية وتعزيزها بالملاكات المتخصصة، خاصة وان الحكومة برئاسة الزيدي أقدمت على خطوة مهمة وهي تشكيل مجلس أعلى للاستقرار المالي، الذي سيعمل على تحقيق التوازن بين ما ياتي من أموال للدولة وما يتم ضخُّه إلى الأسواق من عملات صعبة وهذا سيؤدي إلى تعزيز الإيرادات وحماية العملة الوطنية”.
تنمية القطاعات الإنتاجية
ودعا إلى “تنمية القطاعات الإنتاجية المختلفة لضمان الأمن الغذائي والحفاظ على النقد داخل البلد والسيطرة على العملة المحلية والأجنبية”.وأكد البياتي، أهمية “فرض الرقابة على المنافذ الحدودية والجمارك ومنع الفاسدين من التحكم بالمال العام”، مشدداً على “ضرورة وضع أنظمة وقوانين صارمة وتطبيقها بشكل فعلي”.
ودعا إلى “تحسين الوضع المالي عبر زيادة الإنتاج وتوفير فرص عمل متنوعة ودعم القطاع الخاص والاستفادة من طاقات الشباب في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، مع اعتماد سياسات متكاملة تمنع تضارب المشاريع وتفادي خلق أزمات جديدة”.
التحديات الجيوسياسية
من جانبه، قال أستاذ الاقتصاد الخبير المالي الدكتور أحمد هذال، إن “الموقف المالي للعراق يواجه ضغوطاً استثنائية ومعقدة نتيجة التحديات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة واضطرابات التجارة الدولية، فضلاً عن الاختلالات الهيكلية المزمنة المرتبطة بالاعتماد شبه الكلي على الإيرادات النفطية”.
وأوضح، أن “الحكومة ووزارة المالية والبنك المركزي تمكنوا خلال الشهرين الماضيين من إدارة المرحلة بدرجة من الاحتواء المالي والنقدي، عبر الحفاظ على استقرار الرواتب والإنفاق السيادي وتأمين احتياجات السوق من العملة الأجنبية والسلع الأساسية، ومنع انتقال الإشاعات إلى اضطرابات نقدية واسعة”.
انتظام التمويل الحكومي
وأضاف، أن “البنك المركزي واصل إدارة الاستقرار النقدي وسعر الصرف والسيطرة على مستويات السيولة والتضخم، فيما نجحت وزارة المالية في المحافظة على انتظام التمويل الحكومي رغم الضغوط المتزايدة على الموازنة العامة”.
وبيّن هذال، أن “المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من الإدارة التقليدية للموازنة إلى إدارة أزمة اقتصادية شاملة قائمة على الاستدامة والانضباط المالي”، داعياً إلى “إعادة هيكلة الإنفاق العام، وتفعيل الأنظمة الإلكترونية للإدارة المالية والضرائب والجمارك والجباية للحدِّ من الهدر والفساد وتعظيم الإيرادات غير النفطية”.
ضبط النفقات التشغيلية
وأشار إلى أهمية “ضبط النفقات التشغيلية غير المنتجة وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية والإستراتيجية، مع اعتماد أسعار نفط تحفظية وتوسيع أدوات التمويل الداخلي المنظمة مثل حوالات الخزينة والسندات الاستثمارية”.
وأكد، أن “تحسين الوضع المالي للعراق على المدى المتوسط والبعيد يتطلب إصلاحاً هيكلياً شاملاً لتنويع الاقتصاد وزيادة مساهمة الزراعة والصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية في الناتج المحلي، إلى جانب تطوير البيئة الاستثمارية والشراكة مع القطاع الخاص”.
وختم بالقول، إن “التحدي الحقيقي لا يقتصر على تمويل الموازنة الحالية، بل يتمثل ببناء دولة قادرة على تحقيق الاستدامة المالية والاقتصادية وحماية الأمن الاجتماعي والمعيشي للأجيال القادمة”.وكان رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، قد ترأس الاجتماع الأول لمجلس الاستقرار المالي.








