عزيز ملا هذال
العلاقات الاجتماعية
تفرز الثورة التكنولوجية ظاهرة سلوكية جديدة هي العزلة الرقمية؛ حيث يعيش الفرد داخل فقاعة اغتراب شديدة الصمت عن محيطه المادي المباشر. إن عملية الانعزال الإلكتروني فرار مستمر من مواجهة الواقع المادي نحو عالم افتراضي تسيطر عليه خوارزميات صامتة، مما يؤدي لتآكل المرونة النفسية والذكاء العاطفي وتراجع العلاقات الإنسانية…
يقال ان الانسان يركض بكل قوته نحو الينابيع إذا ذاق مرارة العطش طويلاً، وهذا الذي يقوم بها كل البشر تقريباً في الكثير من السلوكيات الحياتية، ولعل اندفاعنا نحو استخدام الانترنت عبر وسائله المختلفة مثال واقعياً لهذه القاعدة، حيث اننا نفرط في استخدام الانترنت لنروي بسيله جفاف سابق، هذا الإدمان الرقمي المستجد ليس وليد اللحظة، بل هو صدى لحرمان قديم استوطن الذاكرة، فماهي اثاره النفسية والاجتماعية علينا؟، ومالذي يجب ان نفعله لوقف نزيف الانترنت من رصيدنا.
يعيش إنسان العصر الحديث تناقضًا تاريخياً غير عادي؛ ففي الوقت الذي وصلت فيه وسائل الاتصال لأعلى درجات تطورها، وأصبح بإمكان الشخص التواصل مع أي فرد عبر القارات بلمسة زر واحدة غير ان الفجوات النفسية والاجتماعية بين الناس اتسعت أكثر من أي وقت مضى، وهذا جزء مما أفرزت الثورة التكنولوجية الكبيرة ظاهرة اجتماعية وسلوكية جديدة يمكن تسميتها بـ العزلة الرقمية.
من الواقع:
عائلة أبو محمد المكونة من 5 فراد والتي تجتمع بعد نهار عمل كل في وظيفته في أحد غرف الجلوس في منزلهم، صورياً تراهم مجتمعين في ذات المكان لكن الواقع يقول انهم كل في واديه الخاص، فأحمد يتابع اخبار كرة القدم في التجمعات الرياضية مع اقرانهم الرياضيين، وفاطمة تتابع آخر اخبار الموضات في مجموعات النساء، والام منشغلة بمتابعة الأثاث وما الى ذلك من الانشغال الكبير في عوالم مختلفة تجعل من العائلة تعيش في عزلة حقيقية رغم القرب المكاني.
هذه العزلة لا تشبه العزلة التقليدية التي يعرفها علماء الاجتماع، حيث يغلق المرء بابه وينزوي في غرفته مستوحشاً بل هي عزلة من نوع آخر يمارسها الفرد وهو في قمة تفاعله الرقمي، يبتسم للشاشة، يشارك في النقاشات، ويحصد الإعجابات، لكنه في واقع الأمر يعيش داخل فقاعة اغتراب شديدة الصمت والعمق عن محيطه المادي المباشر.
ويمكننا القول ان عملية الانعزال الالكتروني ان هي الا عملية فرار سلس ومستمر من مواجهة تحديات الواقع المادي، في العالم الافتراضي، كل شيء تحت السيطرة، اذ يمكننا منع من يضايقنا بلمسة زر، ويمكننا تغيير هيئتنا وتنقيحها قبل أن يراها الآخرون، ويمكنك عرض صورة مثالية عن ذاتك، أما في الواقع الفعلي، فإن العلاقات تتطلب سعياً والطباع الإنسانية تستلزم ليونة وتضحيات.
ما هي الاضرار التي تترتب على العزلة الرقمية؟
اول الاضرار التي يمكن ان تلحق بمن يتخذ من العزلة أسلوب حياة له هو تآكل المرونة النفسية والذكاء العاطفي لديه، حيث ان الذكاء العاطفي لا يبنى خلف الشاشات بل يتطور من خلال قراءة لغة الجسد، ونبرات الصوت وتعبيرات الوجه الحقيقية وممارسة التعاطف الحي في المواقف الإنسانية اليومية، والعزلة المقنعة تحرم الفرد من هذه “المختبرات الحياتية” مما يؤدي إلى تراجع القدرة على تحمل الإحباط، وهشاشة المرونة النفسية عند مواجهة أي أزمة واقعية بسيطة.
ومن الاضرار هو اضطراب مفهوم الاطمئنان وآلية التأقلم، فقد غير الحيز الرقمي هيئة الأمان الذهني، صار الاطمئنان ملازماً لمدى التوافق الإلكتروني والقبول الافتراضي مثل عدد الإعجابات والمتابعين، عوضاً عن الاتكاء على الروابط العائلية والمجتمعية الثابتة، وهذا الارتكاز يجعل الحالة المزاجية للشخص رهينة لخوارزميات صامتة وتفاعلات سريعة، مما يزيد من مستويات القلق والتوتر والإحباط.
كيف نقلل من العزلة الرقمية؟
اول ما يجب فعله في سبيل الحد من العزلة الرقمية هو إعادة الاعتبار للمساحات الخالية من الشاشات وذلك يتم عبر وضع قواعد صارمة داخل المنازل مثل حظر الهواتف على مائدة الطعام، أو أثناء التجمعات العائلية، وتهيئة بيئة تسمح بالحوار الذي يوطد العلاقات العائلية.
ومن الأهمية بمكان تنشئة الأبناء على الوعي الرقمي، وتقع هذه المسؤولية على كاهل الهيئات التربوية والإعلامية مهمة إرشاد الأجيال حول طبيعة خوارزميات هذه المنصات التي وضعت تحديداً لاستنزاف أوقاتهم واستقطاب تركيزهم، وبالتالي يتم تدريبهم على مهارة الضبط الذاتي للحفاظ على سكينتهم الداخلية وتركيبهم المزاجي المتوازن.







