الاستشارة النفسية أصبحت ضرورة تفرضها الضغوط والصدمات المتزايدة، إلا أن الخوف من نظرة المجتمع ما يزال يمنع كثيرين من الوصول إلى العيادات النفسية في الوقت المناسب.
لكل منا درجة معينة من قوة أو ضعف العاطفة في تلقي الأزمات، أو الفقدان، أو الخسارات بكل أنواعها؛ عاطفية كانت أو مالية أو غيرها من المسببات التي تربك المنظومة الطبيعية للشعور والتصرف في تلقي الصدمة، لتتفاوت ردود الأفعال ونتائج الصدمات بين البشر.
إلا أن هناك حالات وعلامات تستدعي التدخل السريع للعلاجات النفسية قبل تفاقمها؛ إذا حدث خلل في الإدراك والتذكر والسلوك والمشاعر، مثل عدم النوم، والعجز عن الذهاب للعمل، أو مواصلة تفاصيل الحياة. هذه الأعراض إذا استمرت وجب الإسراع بالذهاب للاستشارة النفسية.
لكن المشكلة المجتمعية وتقبلها لذهاب المصاب إلى العلاج النفسي ما زالت في تراجع كبير؛ ولعل الدراما صدرت صورة عن الطبيب النفسي بوصفه مضطرباً ومجنوناً أكثر من المراجع المصاب الذي يلجأ إليه، وهي صورة تكررت؛ فهو إما طبيب سفاح خطر مصاب بمرض متقدم نفسياً وعيادته غطاء ليعالج المرضى، أو مجنون بزي طبيب مضطرب في كل تصرفاته.
وظل هذا الحال إلى أن بدأت الدراما تدرك أهمية وجود المعالج النفسي مع تطور الحياة وتعقيداتها وضرورة تصحيح صورته في أعمالها؛ فكان المسلسل المصري (لام شمسية) -على سبيل المثال- من أجمل الأعمال التي تناولت قضية حساسة جداً تتعلق بالتحرش الجنسي بالأطفال، وأبرزت ذكاء ومهارة الطبيب النفسي الذي تعامل مع الطفل الضحية ليخبره بما رفض قوله لأي شخص بشكل تام.
الدكتورة بتول العيسى، وهي مختصة بالطب النفسي، تتحدث عن ذلك بقولها: “الوصمة المجتمعية المرتبطة بالمرض النفسي تعد من أهم الأسباب التي تمنع كثيراً من الناس من مراجعة الطبيب النفسي، برغم حاجتهم الفعلية للعلاج؛ وذلك بسبب الخوف من نظرة المجتمع لهم، فكثير من المرضى يخشون أن ينظر إليهم على أنهم (ضعفاء) أو (مختلون)، مما قد يؤثر في مكانتهم الاجتماعية أو المهنية”.
وتابعت بالقول، إن “هذه النظرة السلبية تجعل الشخص يفضل المعاناة بصمت بدل طلب المساعدة، وكذلك ربط المرض النفسي بالجنون، كما يتعزز الخوف لديهم من فقدان الفرص؛ مثل فرص العمل أو الزواج، حيث يعتقد أن وجود تاريخ نفسي قد يستخدم ضد الشخص”.
ثم أوضحت أن “نقص الوعي النفسي وغياب التثقيف حول طبيعة الاضطرابات النفسية (مثل الاكتئاب أو القلق) يجعل البعض لا يدرك أن ما يعانيه هو حالة قابلة للعلاج، وليس مجرد ضعف في الشخصية أو نقص في الإيمان”.
وتذكر العيسى إحدى الحالات لمريضة كانت مصابة بنوبة ذهانية وهي بعمر 15 سنة، لكن أهلها ظلوا يرسلونها لدجالين إلى أن تفاقمت الحالة وأصابها الجامود، وحين شاهدوها اقتربت من الموت وفقدت النطق، أحضروها للمستشفى النفسي بعد أن أصبحت حالتها مزرية جداً، فهي فاقدة للوعي ولا تأكل أو تشرب، وكانت بحاجة إلى تداخلات علاجية صعبة.
ثقافة الاستشارة
وهو ما تحدث عنه دكتور زياد ناجي، وهو أستاذ مساعد في الطب النفسي، عن كيفية إقناع المريض أو أهله بالذهاب للعلاج النفسي: “المريض أو المصاب ليس لديه مشكلة للذهاب للمشعوذ أو لطبيب الأعصاب مثلاً، لكن مشكلته في ذهابه للطبيب النفسي لأنه إثبات أنه مجنون حينها مجتمعياً”.
ثم سرد عن كيفية وأسلوب التعامل مع المصاب وطريقة إقناعه بالتقرب منه والاهتمام باستماع شكواه من قلة النوم أو عذاب الاكتئاب، وشرح كيف يمكن مساعدته وحل كل هذه الأشياء التي تؤثر في حياته وأسرته وعمله، ليصل لحل قد يكون بسيطاً جداً عن طريق الاستدراج والاستماع الفاعل لكي يبوح بكل ما يؤذيه.
موضحاً أن هناك خوفاً من تحول العلاج إلى إدمان، متسائلاً: مرض داء السكري والضغط وغيرهما من الأمراض المزمنة هناك تقبل لأخذ علاجهما المستمر، فلماذا المرض النفسي لا يتقبلون علاجه؟
ويذكر الطبيب النفسي حيدر الدهوي علامات الشخص المصاب بأزمة نفسية ومراحلها: “هناك مراحل ودرجات للمصاب النفسي؛ منها البسيط وصولاً إلى المراحل المعقدة والمتقدمة جداً إن لم تعالج. تبدأ مثلاً بعدم قدرة المصاب على الذهاب إلى العمل أو التزاماته العائلية أو الاهتمام بنظافته الشخصية، وفي بعض الأحيان يأخذ منحى آخر ضمن اضطرابات في النوم؛ إما نوم مزمن مستمر أو العكس. وكذلك الأكل؛ إما أكل مفرط بشراهة أو فقدان الشهية وفقدان الاستمتاع بأي شيء بالحياة؛ لا فن، لا أدب، لا هوايات، إنما يستسلم للوحدة بعيداً ومنفصلاً عن الواقع”.
وتابع بالقول: “ثم يصل لمرحلة الأعراض الذهانية؛ يبدأ يسمع أصواتاً أو يرى أشياء لا وجود لها، أو يشعر بخطر متوهم يهدده، أو يتبنى قناعات وهمية غريبة تميل إلى الغيبية والخرافة غير المنطقية، وشعور أحد ما يراقبه، أو يشعر بجنون العظمة وأن الجميع يجب أن يتعامل معه على أنه هو كل شيء وعداه لا شيء. ثم شعور السوداوية الخطر الذي يتمنى فيه الموت له أو للآخرين، وهي تتطلب تدخلاً مباشراً وفورياً من المعالجين لأنه هنا فريسة الانتحار أو قتل الآخرين وأذيتهم مع نفسه، وهنا ليس الانتظار هو الحل أو انتظار رأيه، بل مساعدته لإنقاذه”.
لذا يؤكد الدهوي أهمية الذهاب مبكراً للمعالج النفسي ذاكراً: في ظل التطور وتسارع الحياة، فإن أغلب دراسات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن من 50 بالمئة إلى 70 بالمئة من المصابين باضطرابات نفسية تنشأ في الدول النامية التي لا يقدم لها علاجات نفسية، أما في الدول المتقدمة فتتقلص النسبة لكنها موجودة؛ لأنه بالعموم ما زال المريض يتأخر في الذهاب للعلاج، لذا نحن نحتاج إلى منظومة وعي متكاملة إعلامياً ومجتمعياً لكسر هذه الأفكار الخاطئة ضد العلاج النفسي.
العلاج بالحوار والفن
عودة إلى دور الفن في علاج بعض الحالات النفسية، تحضرني المشاهد والحوارات في فيلم “عندما بكى نيتشه” المأخوذ عن الرواية التي كتبها الأستاذ الفخري في الطب النفسي بجامعة ستانفورد إيرفين يالوم عام 1992، بين الدكتور جوزيف والفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وكيف عالج كل منهما الآخر -عالم النفس والفيلسوف- بحوارات مذهلة.
مما قادنا إلى الاستفسار عن تجربة علاجية مختلفة عن طريق الفن خاضها دكتور أحمد المختار، الذي تحدث عنها قائلاً: “عندما بدأت العلاج النفسي لاحظت أن المراجعين، وخاصة الإناث، لا يتكلمون عن المشكلة الحقيقية التي تعذبهم ويعانون منها، إنما يلفون ويدورون ويتحدثون عن كل شيء خارج إصابتهم وبعيداً عن مشكلتهم بشكل مشتت، وهنا لجأت لفكرة العلاج بالفن بجعل الشخص يتكلم ويعبر عن مشكلته دون كلام مباشر؛ فطلبت منهم في البداية الكتابة، ثم الكتابة ضمن لعبة وترفيه لكسر الخوف لديهم، وكتابة قصص يختارونها للوصول لمنطقة اللاوعي لكي يعبر وينطلق كل منهم بأمان وثقة، فيبدأ يكتب مرة وثانية ورابعة إلى أن أشعر أنه بدأ يفقد السيطرة على التحكم باللاوعي، بعدها يبدأ يبوح بمشكلته دون إحراجات اجتماعية”.
مضيفاً: “ثم بدأت بعدها أستخدم موضوعة الرسم والإشارات التي يبعثها، والتي غالباً لا تمت للواقع بصلة وهي أقرب للسريالية، لكنها تعطي دلالات للمناطق التي يريد التكلم عنها رسماً، مع مراعاة أن هناك تحفظاً وخوفاً من أي بوح بسبب التنمر والنقد والخوف الاجتماعي، لذلك ليس لديه بوح آمن، وهنا المهمة ليست سهلة مع تخوفه وتحفظه؛ لذلك كان التكنيك ناجحاً جداً مع المراجعين سواء بوحاً لمشاكل عاطفية أو اجتماعية، فأنا أساعده ليبدأ هو من يساعد نفسه بنفسه”.








