د. علاء إبراهيم محمود الحسيني
التغيير المناخي قضية ذات أبعاد متعددة اجتماعية واقتصادية وثقافية وأمنية وإنسانية ولها عمق وتأثير مباشر على الحياة العامة في الدولة والحياة الخاصة للأفراد، لاسيما على الفئات الأكثر ضعفاً كالنساء وذوي الإعاقة والمهاجرين والأقليات والفقراء الأمر الذي ينعكس سلباً على دخل الفرد وزيادة النفقات الاستهلاكية التي يتعرض لها هؤلاء…
تطرح في الأروقة العامة مسألة العدالة المناخية بوصفها ضرورة ملحة لهذا الجيل والأجيال القادمة لضرورة التخفيف من الانبعاثات السامة التي تؤثر على مختلف مناحي الحياة لاسيما البلدان الأكثر فقراً، والفئات الأكثر ضعفاً في مختلف الدول حتى المتقدمة منها، وينعكس الأمر بسلبياته حتى على بقية الأحياء ومنها الحيوانات التي تأثر منها التنوع الايكلولوجي بشكل ملحوظ وباتت الكثير من الموجودات بحكم المنقرضة أو على حافة الانقراض.
وفي العالم والعراق على وجه الخصوص تبرز الحاجة الملحة للوقوف عند العدالة البيئية حيث يطرح سؤال مهم بخصوص دور السلطات العامة في قيادة التغيير الحتمي لأنظمة إنتاج وتوزيع الطاقة والصناعات المختلفة وأهمية البحث عن مصادر بديلة للوقود الأحفوري المسبب الرئيس للتلوث وتبني استراتيجية استبدال المركبات والآليات المسببة لأبخرة وأدخنة الضارة بغيرها من الوسائل الصديقة للبيئة.
وحينها فقط يمكن القول إننا نقترب من العدالة البيئية أو المناخية فهي تعني على المستوى الدولي ضرورة التفات المعنيين إلى حقوق العراق الأصلية في العدالة المناخية لكونه (من أكثر الدول تضررا بالتغيرات المناخية المدمرة التي باتت تهدد الحياة التقليدية وتحتم نمطاً استهلاكيا وثقافياً غريباً يمكن ان يفاقم الأزمة أكثر وأكثر)، والسؤال هل يمكن للعراق المطالبة بالعدالة من المجتمع الدولي؟ لا سيما من الدول الأكثر إضراراً بالبيئة في المنطقة والعالم، فالعدالة تعني في أبسط معانيها التوزيع العادل للأعباء والتكاليف بين الدول والكيانات الصناعية كالشركات الكبرى لردم الهوة الكبيرة بين الإمكانيات في التصدي والتقليل من أثر التغييرات المناخية، وجبر الضرر بالنسبة للجهات أو الأفراد ممن هم ضحايا الضرر البيئي.
يحاول البعض تسمية المسؤولية عن الأضرار المناخية بالتاريخية في الوقت الذي نعتقد جازمين أنها مسؤولية قانونية وأخلاقية متجددة تقع بالدرجة الأساس على المتسببين بانبعاثات الغازات الدفيئة وهي بالتحديد تطال الدول الصناعية الكبرى، وتندرج هي بالأساس تحت عنوان “العدالة” بمعناها العام، وتعني التوزيع العادل لمنافع ومخاطر النشاط والسعي الجاد إلى تعزيز المنافع ومحاصرة المضار والمخاطر والعمل على تقليص مساحتها ومحاصرتها تمهيدا للانتهاء منها.
وتعني أيضاً أهمية الإقرار بالتضامن في تحمل الأعباء والتكاليف الناشئة عن الضرر البيئي، وكذلك التضامن في سبيل الانتهاء من الأضرار المستقبلية أو تلك التي يتراخى ظهور نتائجها، ونشير في هذا المقام إلى أن ميثاق الأمم المتحدة للعام 1945 يشير في المادة الأولى منه إلى أن من أخص مقاصد المنظمة الدولية ((تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء)).
وبالنتيجة فإن التلوث يعد واحداً من أخطر التحديات الوجودية للإنسان على سطح الكرة الأرضية، ونؤكد ان العدالة المناخية تعني الأمم المتحدة قبل غيرها لتحقق مقاصدها أولاً ولتقصي سبباً من أسباب المنازعات الدولية المحتملة بل سبباً يهدد الأمن والسلم الدوليين، لذا منهج العدالة الدولية يتطلب منهجاً يمثل تعبيراً واضحاً للالتزام القانوني والأخلاقي إزاء حقوق الإنسان واحترام كرامة الإنسان الأصلية، وهي تمثل أساساً راسخاً في البناء القانوني الذي يعقب ذلك أي ما يصدر من تشريعات على المستوى المحلي أو الدولي، وينبغي ان يؤخذ بنظر الاعتبار حتمية الحق في البيئة لكل الناس وحتمية تأصيل الشعور بالعدالة وبغير ما تقدم سيبقى النظام الدولي عرضة للتهديد بسبب الشعور المتأصل بالظلم.
ويمكن القول ان العدالة تشير إلى الجانب الأخلاقي من التعامل الدولي بما أن العديد من النصوص الدولية تشير لهذا الاصطلاح دون ان تعطي له معنى محدد والى ما تقدم تشير اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ للعام 1992 في المادة الثالثة التي تنص على ((تحمـي الأطـراف النظام المناخي لمنفعة أجيال البشرية الحاضرة والمقبلة، على أساس الإنصاف، ووفقـاً لمسـؤولياتها المشتركة، وإن كانت متباينة، وقدرات كل منها، وبناء على ذلك، ينبغي أن تأخذ البلدان المتقدمة النمو الأطراف مكان الصدارة في مكافحة تغير المناخ والآثار الضارة المترتبة عليه، ….، تتخذ الأطراف تدابير وقائية لاستباق أسباب تغير المناخ أو الوقاية منها أو تقليلها إلى الحد الأدنى وللتخفيف من آثارها الضارة، وحيثما توجد تهديدات بحدوث ضرر جسيم أو غير قابل للإصلاح، لا ينبغي التذرع بالافتقار إلى يقين علمي قاطع كسبب لتأجيل اتخاذ هذه التدابير))، وبالاستناد إلى ما ورد بالاتفاقية يمكننا ان نحدد أولويات العدالة المناخية بأنها تنطلق من:
1- العدالة بين الشعوب: فالشعوب عموماً لها الحق الكامل والناجز في التحرر من أثار التغيرات المناخية المدمرة التي أتت على إمكانياتها ومواردها فقضمتها وأتت على الكثير من أسباب استدامتها وتجددها.
2- العدالة بين الأجيال: فالعدالة المناخية تعطي للأجيال القادمة كامل الحق بمحاكمة المتسببين بالضرر البيئي والاقتصاص منهم لكونهم جناة بكل ما تحمله الكلمة بحق الحياة ومواردها وأسباب استمرارها على نحو معين على كوكب الأرض.
3- العدالة بين الدول: فالعدالة المناخية تحتم على المجتمع الدولي بكل مكوناته المسؤولية الكاملة إزاء الواقع والعمل بروح المسؤولية وعلى نحو من الشفافية لتشخيص أسباب الضرر ووسائل علاجها، فالتغييرات المناخية تحتم ان تسهم الدول الكبرى المسبب الرئيس للاحتباس الحراري والتي تزيد يومياً من معاناة الدول الأشد فقراً وتخلفاً في إيجاد الحلول المستدامة، ما يعني أهمية ان يتبنى المجتمع الدولي العدالة التعويضية بالتأسيس لصندوق أو ما شاكل من الحلول التي يمكن ان تخفف معاناة الدول والشعوب الفقيرة.
4- المسؤولية التضامنية بين الجميع: فمن مقتضى العدالة حماية المتضررين من تغير المناخ والتأسيس لمنظمات وكيانات قانونية قادرة على تحقيق الإنصاف لهم وان من حق هؤلاء الحصول على بدائل حقيقية وناجعة كالطاقة المستدامة أو المتجددة والتكنولوجيا الحديثة والمتطورة التي تسهم في تغيير نمط عملهم وحصولهم على الأرزاق، وان للشعوب الحق في تقرير المصير المناخي بعيداً عن املاءات الدول الصناعية الكبرى، وفي هذه النقطة بالتحديد نشير إلى ان الدستور العراقي بالمادة (111) يشير إلى ان النفط والغاز ملك الشعب العراقي، والسؤال كيف يمكن للمالك ان يحدد طريقة استخدام ملكه أم أن القابض على السلطة هو وحده من يحدد سبل التحكم بالثروة دون استشارة الشعب؟ ويزداد الأمر سوءً حين نجد الدستور يشير إلى حق المواطن العراقي في البيئة في المادة (33) أنه ((لكل فرد حق العيش في ظروف بيئية سليمة، تكفل الدولة حماية البيئة والتنوع الاحيائي والحفاظ عليهما)) ومما تقدم نلاحظ:
أ- ان المتضرر الأول من الصناعة النفطية هم الفقراء والمعدمون وساكني العشوائيات ممن لا يحصلون على شيء من مردودات الثروات الكامنة تحت أقدامهم.
ب- ان فرص العمل في المكامن النفطية شحيحة للعراقيين وحتى من يحصل على فرصة عمل فالمردود المالي قد لا يتناسب مع الخطورة والجهد الذي يقدمه أو يتعرض إليه بينما تكون المردودات المالية سخية للشركات النفطية العاملة في العراق مع عمالها الأجانب.
وينبغي التذكير ان التغيير المناخي قضية ذات أبعاد متعددة اجتماعية واقتصادية وثقافية وأمنية وإنسانية ولها عمق وتأثير مباشر على الحياة العامة في الدولة والحياة الخاصة للأفراد، لاسيما على الفئات الأكثر ضعفاً كالنساء وذوي الإعاقة والمهاجرين والأقليات والفقراء الأمر الذي ينعكس سلباً على دخل الفرد وزيادة النفقات الاستهلاكية التي يتعرض لها هؤلاء لمواجهة المشاكل التي خلفها الاحتباس الحراري مثل الاحترار الملحوظ والارتفاع المضطرد في درجات الحرارة والجفاف، مما يزيد من تعرضهم لمشاكل تتصل بانتشار الأمراض وتدني متوسط العمر وتقلص القدرة الإنجابية وتضرر البنى التحتية وتقادمها بسرعة نتيجة الإجهاد وزيادة هشاشة قطاعات الإنتاج التي تستوعب الفئة الأكبر من الأفراد والمتمثلة بالزراعة والعمل الحر.
ونشير هنا إلى ان التنظيم الدولي أسهب فيما تقدم في الكثير من التفاصيل ومنها ما ورد في بروتوكول كيوتو 1997 الذي تم التوقيع عليه في اليابان والذي يمثل إضافة مهمة لحماية المناخ وتحقيق العدالة المناخية حيث يعد الاتفاق الأول الملزم للدول بخفض انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي والتقليص من الأضرار بالمناخ المحيط بالكرة الأرضية وتضمن البروتوكول التزامات على الدول الكبرى من شأنها ان تعزز العدالة منها:
1- التزام الدول بخفض الانبعاثات.
2- المحافظة على المساحات الخضراء والعمل على زيادتها.
3- اجراء البحوث والدراسات بخصوص نسب الانبعاثات وآثارها السلبية والمشكلات التي تتسبب فيها من النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية أو البيئية.
4- مضاعفة الجهود لإنتاج الوسائل والمعدات الصديقة للبيئة.
5- التعهد بنقل التكنولوجيا والتمويل اللازم إلى الدول النامية لتمكينها من حث الخطى في سبيل التخلص من آثار الاحتباس الحراري.
وورد في اتفاقية باريس الإطارية للعام 2015 بالمادة (9) أنه ((في إطار الجهود العالمية ينبغي ان تواصل البلدان المتقدمة رياداها لتعبئة التمويل المناخي من طائفة واسعة من المصادر والقنوات ومن خلال مجموعة مختلفة من الإجراءات لدعم الاستراتيجيات القطرية التوجيهية ومراعاة احتياجات البلدان النامية الأطراف وأولوياتها…، وتقدم البلدان المتقدمة الأطراف كل سنتين معلومات شفافة ومتسقة بشأن الدعم المقدم إلى البلدان النامية والمعبأ عن طريق تدخلات عامة للطرائق والإجراءات والمبادئ التوجيهية التي سيعتمدها المؤتمر))، وتشير المادة (10) إلى أنه ((تتقاسم الأطراف رؤية طويلة الأجل بشأن أهمية تحقيق هدف تطوير التكنولوجيا ونقلها تحقيقاً تاماً لتحسين القدرة على تحمل تغيير المناخ وخفض الانبعاثات من الغازات الدفيئة)).







