يُعد التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتعزيز الثقافة المصرفية ركيزة أساسية في استراتيجية الدولة العراقية لتطوير النظام المالي وتحقيق الاستقرار التنموي.
ومن خلال توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية، يسعى العراق إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة تضمن الشفافية، وتقلل الاعتماد على النقد التقليدي، وتمنح الأفراد والمؤسسات أدوات حديثة لإدارة مواردهم المالية بفاعلية وأمان، بما يواكب التطورات العالمية في هذا القطاع الحيوي.
وشهدت مدينة حلبچة، انطلاق فعاليات أسبوع الشمول المالي لعام 2026، برعاية وإشراف البنك المركزي العراقي، وتنظيم منظمة “وعيُنا” لثقافة الدفع الإلكتروني ومبادرة الشمول المالي “نوصَلكم”، تحت شعار “الصحة المالية طريق الأفراد نحو شمول مالي مستدام وأكثر استقراراً”، في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بتعزيز الثقافة المالية وتوسيع نطاق الخدمات المصرفية الحديثة في مختلف المحافظات العراقية، وبما يتناسب مع توجهات الدولة نحو بناء اقتصاد رقمي أكثر كفاءة واستدامة.
وجاءت الفعاليات بمشاركة واسعة من المؤسسات المالية والمصرفية وغير المصرفية، في مشهد يعكس حجم التنسيق والتكامل بين الجهات المعنية بترسيخ مفاهيم الشمول المالي ودعم التحول نحو الاقتصاد الرقمي، بما ينسجم مع توجهات الحكومة والبنك المركزي العراقي الهادفة الى تقليل الاعتماد على النقد الورقي وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني الحديثة، وبما يسهم في رفع كفاءة التعاملات المالية وتحقيق مستويات أعلى من الشفافية والاستقرار الاقتصادي، فضلاً عن تسهيل وصول المواطنين إلى الخدمات المالية الرسمية بشكل آمن وسريع.
المبادرة الوطنية
افتتح أسبوع الشمول المالي بمؤتمر رسمي حضرته محافظ حلبچة السيدة نوخشة ناصح أحمد، التي أكدت في كلمتها دعم الحكومة المحلية الكامل لهذه المبادرة الوطنية، لافتة إلى أن اختيار محافظة حلبچة كنقطة انطلاق يحمل دلالات مهمة تعكس مكانتها في دعم المشاريع التنموية والمبادرات المجتمعية الهادفة.
وأوضحت أن الشمول المالي يمثل أداة أساسية لتمكين المواطنين من الوصول الى خدمات مالية أكثر أماناً وموثوقة، فضلاً عن دوره في تعزيز الثقة بالمؤسسات المالية والمصرفية، ودعم الانتقال التدريجي نحو الأنظمة الرقمية الحديثة.
الإدارة السليمة للموارد
وأضافت أن التوسع في الشمول المالي لا يقتصر على تقديم الخدمات المصرفية فقط، بل يشمل بناء ثقافة مجتمعية جديدة تقوم على الوعي المالي والإدارة السليمة للموارد، بما يساعد الأسر والأفراد على التخطيط المالي الأفضل، ويعزز فرص الادخار والاستثمار، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالتعاملات النقدية التقليدية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المحافظة وفي العراق بشكل عام.
رسالة تنموية
من جانبه، أكد رئيس منظمة “وعيُنا” لثقافة الدفع الإلكتروني السيد نبيل النجار، أن انطلاق الفعاليات من حلبچة يحمل رسالة إنسانية وتنموية مهمة، مفادها بأن الخدمات المالية الحديثة يجب أن تكون متاحة لجميع المواطنين دون استثناء، وفي مختلف المحافظات العراقية.
وأشار إلى أن هذه المبادرة تسهم بشكل فاعل في ترسيخ ثقافة الدفع الإلكتروني داخل المجتمع العراقي، وتوسيع فرص الوصول إلى الخدمات المالية، بما يعزز من دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة ويدعم مسارات التنمية الاقتصادية المستدامة، لا سيما في المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الدعم التنموي والخدمي.
الخدمات المالية الحديثة
أكد مستشار الشركة العالمية للبطاقة الذكية، غازي الكناني، أن شركات الدفع الإلكتروني والمصارف الحكومية والخاصة، وبالتعاون مع البنك المركزي العراقي، تبذل جهوداً كبيرة لتعزيز ثقافة التعامل المصرفي وزيادة تفاعل المواطنين مع المنتجات والخدمات المالية الحديثة أكثر مما عليه الآن، وبما يسهم في ترسيخ الثقة بين المؤسسات المالية والمواطنين.
احتياجات المواطن
وأوضح الكناني أن الوعي المصرفي لدى المواطنين شهد تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبح المواطن أكثر إدراكاً لأهمية الخدمات المصرفية وأكثر متابعة لكل ما هو جديد من منتجات مالية تتناسب مع احتياجاته اليومية ومتطلبات حياته العملية، الأمر الذي يعكس نجاح الجهود التوعوية والتنظيمية المبذولة في هذا المجال.
وأضاف أن أسبوع الشمول المالي يمثل فرصة مهمة لتقريب مقدم الخدمة من المواطن بشكل مباشر، من خلال التواصل الميداني والتعريف بالخدمات المتاحة وآليات الاستفادة منها، مؤكداً أن هذا الحراك المصرفي المستمر سيحقق نتائج إيجابية تخدم جميع الأطراف وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستقرار المالي.
جولات ميدانية
وعقب المؤتمر الرسمي، انطلقت الجولات الميدانية التوعوية في الأسواق والمحال التجارية، بمشاركة فرق متخصصة من المؤسسات المالية، حيث تم التواصل المباشر مع المواطنين وأصحاب الأعمال لتعريفهم بآليات استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، وتقديم خدمات مصرفية ومالية مجانية، إلى جانب نشر الوعي بأهمية تبني الحلول الرقمية الحديثة في المعاملات اليومية، بما يسهم في تقليل التعامل النقدي وتعزيز الشفافية المالية، فضلاً عن دعم بيئة الأعمال المحلية وتشجيع الأنشطة التجارية على الانخراط في المنظومة المالية الرسمية.
وأكدت الجهات المنظمة أن هذه الفعاليات تأتي ضمن رؤية وطنية متكاملة تنسجم مع استراتيجية الشمول المالي في العراق، وتهدف إلى بناء مجتمع أكثر وعياً في إدارة موارده المالية، وقادر على اتخاذ قرارات مالية سليمة تسهم في تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي للأفراد والأسر، فضلاً عن دعم جهود التنمية المستدامة على مستوى البلاد.
ويعد أسبوع الشمول المالي أحد أبرز المبادرات الوطنية التي تسعى إلى ربط المواطنين بالقطاع المالي الرسمي، ورفع مستويات الثقافة المالية، وتحقيق بيئة اقتصادية أكثر كفاءة واستقراراً، بما يواكب التطورات العالمية في مجال الخدمات المالية الرقمية، ويعزز من قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة أكبر واستدامة أوسع، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي تتطلب أنظمة مالية أكثر مرونة وشمولاً.








