د. مظهر محمد صالح
هل سننجح في أن نجعل التكنولوجيا امتداداً لإنسانيتنا أم سنسمح لها بأن تعيد تشكيلنا وفق منطقها؟ فالأوطان لا تُقاس فقط بصلابة اقتصادها، بل بقدرة إنسانها على أن يبقى إنساناً، انه عالمٍ يتقن تحويل كل شيء إلى شيء، انه عصرًا يحوّل البشر والعلاقات إلى مجرد عناصر قابلة للقياس أو الإدارة، بعيداً عن الإنسانية الحقيقية…
لم تعد التحولات الكبرى التي تصيب المجتمعات تأتي دائماً من الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل باتت تنشأ بصمت… من داخل البيوت نفسها، حيث تجلس العائلة متقاربة في المكان، متباعدة في الوجدان.
سألتُ أحد قضاة الأحوال الشخصية عن الارتفاع المتسارع في معدلات الطلاق، ولا سيما بين الزيجات الحديثة، توقعت أن تكون الإجابة مرتبطة بضغوط المعيشة، لكنه فاجأني بقوله: “إن نحو 43% من حالات الافتراق تعود إلى الاستخدام المفرط للهواتف الذكية”.
كان الرقم كافياً لطرح سؤال أعمق: كيف يمكن لأداة تواصل أن تتحول إلى سبب للفراق؟
الجواب يكمن في ما يمكن تسميته بـالاغتراب الرقمي، حيث يعيش الشريكان في فضاءين متوازيين، لكل منهما عالمه الخاص، وإيقاعه المختلف، واهتماماته المنفصلة. ومع الزمن، لا يحدث الانفصال دفعة واحدة، بل يتسلل بصمت، حتى يصبح الوجود المشترك مجرد شكل بلا روح.
هنا، يستحضر الذهن مفهوم التشيّؤ عند جورج لوكاش، الذي رأى أن الإنسان في الحداثة يتحول إلى “شيء” داخل منظومة مادية تفقده إنسانيته. لكن ما لم يشهده لوكاش هو أن هذا التشيّؤ قد تطور سراعا حتى بلغنا عصر (الترمل الرقمي). فمفهوم التشيّؤ (Reification) عند جورج لوكاش يرى في الإنسان ليس بكونه مجرد عنصر في الإنتاج، بل أصبح في عالم اليوم كائناً رقمياً تُختزل قيمته في تفاعلاته وبياناته، لتبرز ظاهرة التشيؤ الرقمي Digital reification. إننا أمام تحوّل نوعي، من تشيّؤ اقتصادي… إلى تشيّؤ رقمي عاطفي، وسط عالمٍ بات يتقن تحويل كل شيء إلى ‘شيء.
فالتحويل إلى “شيء” يقصد به فقدان الإنسان أو العلاقات الإنسانية لجوهرها الإنساني، وتحويلها إلى مجرد أداة أو سلعة أو عنصر يُدار بطرق مادية أو رقمية. في العصر الرقمي، يمكن أن يُختزل الزواج أو الصداقة إلى رسائل نصية، بيانات، أو تفاعلات رقمية، بدل أن تكون تواصلاً حياً ومشاعر حقيقية. كما انه صار عالّم يتقن تحويل كل شيء الى شيء حقا في اشارة إلى المجتمع الحديث أو العصر الرقمي، حيث تصبح كل القيم، العلاقات، وحتى المشاعر، قابلة للقياس، للتسجيل، أو للتحكم عبر التكنولوجيا. العالم هنا ليس مجرد مكان جغرافي، بل منظومة اجتماعية، اقتصادية وتقنية تقلص الإنسان إلى وظيفة أو بيانات.
فاذا كان الاغتراب إحساساً موجود عند الانسان جسدياً، فقلبه وعلاقاته تحوّلت إلى “شيء” بارد، دون روح أو حياة، تعكس هشاشة القيم الإنسانية في عالم يركز على الإنتاجية، البيانات، أو التفاعل الرقمي على حساب العمق العاطفي والإنساني.
في هذا السياق، تبرز اليوم طفرة في مفهوم التشيؤ، وهو “الترمّل الرقمي Digital Widowhood” بوصفه نتيجة مباشرة لهذا التحول، وهي حالة يعيش فيها الإنسان بفقدان شريكه عاطفياً رغم حضوره الجسدي. لا موت، ولا غياب فعلي، بل غياب من نوع آخر… غياب الحضور الإنساني.
وإذا كان هذا المشهد يتجلى في قاعات القضاء او المحاكم، فإن العالم يشهد تطورات أكثر عمقاً. ففي الصين، برزت مؤخرًا نقاشات حول ما يمكن تسميته “الانقطاع العاطفيّ Emotional Absence وهو في الحقيقة بفعل المركزية السياسية يمكن تسميته مجازا (الترمل الرقمي الاحمر -Red Digital Widowhood). ففي ظل التوسع الكبير في استخدام الذكاء الاصطناعي وتنظيمه للحياة اليومية الواحدة. غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن هذه المحاولات، رغم طابعها الإصلاحي، كشفت حجم التحول الذي نعيشه: اذ لم يعد الإنسان يفقد ذاته في العمل فقط، بل في علاقاته، وفي عاطفته، وفي حضوره اليومي.
وهكذا، يصبح “الترمّل الرقمي” ليس مجرد ظاهرة اجتماعية محلية، بل تعبيراً عن أزمة إنسانية عالمية. إننا نعيش لحظة تاريخية تتقاطع فيها الفلسفة مع الواقع، حيث تتحقق تحذيرات جورج لوكاش في سياق جديد لم يكن في الحسبان. فالإنسان، الذي كان مهدداً بأن يصبح “شيئاً” في المصنع، أصبح اليوم مهدداً بأن يتحول إلى “شيء رقمي” في عالم تحكمه الشاشات والخوارزميات.
وفي مواجهة هذا التحول، لا يكفي أن نلوم التكنولوجيا، بل ينبغي أن نعيد تعريف علاقتنا بها. فالمشكلة ليست في الأدوات، بل في كيفية توظيفها، وفي قدرتنا على الحفاظ على جوهرنا الإنساني في عالم يتجه نحو التجريد.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل سننجح في أن نجعل التكنولوجيا امتداداً لإنسانيتنا… أم سنسمح لها بأن تعيد تشكيلنا وفق منطقها؟
فالأوطان لا تُقاس فقط بصلابة اقتصادها، بل بقدرة إنسانها على أن يبقى إنساناً… انه عالمٍ يتقن تحويل كل شيء إلى “شيء”…انه عصرًا يحوّل البشر والعلاقات إلى مجرد عناصر قابلة للقياس أو الإدارة، بعيداً عن الإنسانية الحقيقية.







