ملف الشهادات العليا لم يعد قضية أكاديمية بحتة، بل تحوّل إلى عبء مالي واجتماعي وسياسي، في ظل توسّع غير منضبط في القبول بالدراسات العليا، وربط الشهادة بالامتيازات المالية، مقابل غياب رؤية واضحة لاحتياجات الدولة وسوق العمل، ما فجّر غضباً جديداً مع قرارات تقليص المخصصات.
بعد موجة احتجاجات نظّمها عدد من التدريسيين وموظفي التعليم العالي على خلفية قرار مجلس الوزراء رقم (40 لسنة 2026)، الذي قيّد صرف مخصصات الخدمة الجامعية لشريحة واسعة منهم، من دون أن يمسّ امتيازات أخرى أوسع كلفت الموازنة المليارات على مدى سنوات.
تزامن الغضب من القرار مع تصاعد الحديث عن تضخّم أعداد حملة الشهادات العليا، وفضائح الشهادات المزوّرة أو المباعة من جامعات في الخارج، من لبنان إلى الهند، وسط تساؤلات عن غياب تحقيق عراقي شامل يطاول جذور المشكلة لا نتائجها فقط.
النائب مختار الموسوي، دعا إلى ما أسماها “وقفة النقاط الثلاث” لإحياء ملف الشهادات العليا في العراق، مشدّداً على ضرورة إجراء مراجعة شاملة لهذا الملف بما يحقّق الرصانة العلمية ويخدم حاجة مؤسسات الدولة.
الموسوي تحدث قائلًا إنّ “دعم التفوّق العلمي ونيل الشهادات العليا يعد أمراً أساسياً في جميع دول العالم لتطوير الإمكانيات في مختلف الاختصاصات، لكن ذلك يجب أن يكون وفق محدّدات واضحة تأخذ بنظر الاعتبار المصلحة العامة والرصانة العلمية كأولوية”،
مشيرا إلى “أهمية إعادة النظر بآلية التعامل مع الشهادات العليا، من خلال تحديد الاختصاصات المطلوبة فعلياً وعدم ربطها بمبدأ الراتب فقط”، مؤكّداً “ضرورة مراعاة الاختصاصات التي تحتاجها مؤسسات الدولة بشكل مباشر”.
تضخّم داخلي.. شهادات عليا تفوق حاجة الدولة وسوق العمل
قال الموسوي “الأرقام المسجّلة لحملة الشهادات العليا في العراق كبيرة جداً، ما يفرض إجراء مراجعة جدّية وإعادة تنظيم هذا الملف عبر خارطة طريق واضحة”،
موضحاً أنّ “الهدف هو تحقيق فائدة علمية حقيقية للعراق قائمة على النوعية لا الكمية، مع ضمان توفّر الرصانة العلمية والاختصاصات التي تلبّي احتياجات مؤسسات الدولة”.
الموسوي أوضح أنّ “العراق يضم حالياً أعداداً كبيرة جداً من حملة شهادات الماجستير والدكتوراه، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام”، لافتاً إلى أنّ “الحديث عن تقارير بشأن وجود عمليات تزوير في الشهادات العليا يتطلّب من بغداد وقفة حقيقية، عبر تدقيق شامل ومهني لكل الشهادات الواردة من الخارج من خلال لجان متخصّصة ومقابلات علمية”.
بعثات ومنح على حساب الدولة.. تضخّم ممَوَّل من المال العام
جانب آخر من المشكلة يرتبط بالبعثات الدراسية المموّلة من الدولة إلى الخارج. فمنذ إطلاق “مبادرة التعليم” في زمن الحكومات السابقة، وضعت خطط لإرسال ما يصل إلى 10,000 طالب سنوياً إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا، في برنامج قُدِّر حجم إنفاقه المحتمل بنحو مليار دولار إذا نفِّذ بكامل طاقته.
ورغم أنّ الهدف المعلن كان بناء نخب علمية جديدة تعود لخدمة البلاد، إلّا أنّ الواقع أفرز تحديات معقّدة؛ بين من لم يعد إلى العراق أصلاً، ومن عاد ليجد مؤسسات الدولة عاجزة عن استيعابه في موقع يتناسب مع اختصاصه، ومن حصل في المقابل على فرص التعيين والمناصب بحكم النفوذ السياسي أو الحزبي لا على أساس الكفاءة العلمية.
في السنوات الأخيرة، أعادت الحكومات فتح ملف البعثات والدراسة في الخارج من زوايا مختلفة؛ فمن جهة، تضخّ أموال إضافية في برامج دعم الطلبة المبتعثين، كما حصل مع تخصيص 62 مليار دينار في موازنة عام 2025 لدعم برنامج البعثات، وفق ما أعلن رسمياً، ومن جهة أخرى، ما تزال هناك شكاوى متكرّرة من ضعف متابعة هؤلاء المبتعثين، وعدم وجود ربط حقيقي بين تخصصاتهم وحاجات الدولة، في وقت تتصاعد فيه أزمة البطالة بين حملة الشهادات داخل العراق.
في المقابل، يبرز تناقض إضافي من زاوية العراقيين؛ فالدولة تتحمّل كلفة إرسال آلاف الطلبة إلى الخارج، وتمنح في الداخل مخصصات وامتيازات لحملة الشهادات، ثم تواجه بعد ذلك ضغطاً على الموازنة يدفعها إلى قرارات من نوع حجب أو تقييد مخصصات الخدمة الجامعية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على شريحة تشعر أنّها “استثمرت” سنوات من عمرها في الدراسة لتجد نفسها في طابور احتجاج جديد.








