حرق الغاز المصاحب يكسف مسارًا طويلًا من الإهمال الاستثماري في قطاع الغاز، لكنه في الوقت نفسه يفتح نافذة لإعادة رسم سياسة الطاقة في العراق، إذا ما نجحت الحكومة في تحويل التعهدات البيئية والمشاريع الكبرى إلى منظومة حوكمة فعّالة تربط الأداء البيئي بالقرار الاقتصادي.
كثّف العراق جهوده للانضمام إلى مبادرات دولية للقضاء على حرق الغاز المصاحب، مستهدفاً إنهاء الحرق الروتيني بالكامل بحلول عام (2028 – 2030) لتقليل التلوث والاستفادة من الطاقة المهدرة، وهي الخطوة التي تنسجم مع التوجهات الحكومية الهادفة إلى استغلال تلك الثروة بشكل كامل ووفقاً لجداول زمنية معينة.
ويمثل التعاون مع (البنك الدولي ومبادرة (ZRF) ومشروع توتال إينرجيز أبرز الشركات العراقية الهادفة إلى تحقيق استثمار كامل للغاز بهدف تنويع مصادر الطاقة والتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
ضعف الاستثمارات
وبهذا الصدد، قالت مدير معهد حوكمة الموارد الطبيعية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لوري هايتايان، إن العراق يمثل حالة كاشفة للعديد من التحديات، فعلى الرغم من كونه ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، إلا أنه لا يزال مستورداً صافياً للغاز الطبيعي، عازية ذلك إلى عقود من حرق الغاز المصاحب نتيجة ضعف الاستثمارات في التقاطه ومعالجته.
أخطر الغازات
وأضافت هايتايان أنه، “حتى وقت قريب، كان العراق يحرق نحو (18) مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، ما وضعه في المرتبة الثانية عالميًا بعد روسيا”، لافتة إلى أن ذلك يجعل نسبة الميثان في العراق أعلى كثافة انبعاثات في المنطقة، نتيجة الحرق الروتيني، والتسربات، وتهالك البنى التحتية.
ثم أوضحت أن “غاز الميثان من أخطر الغازات الدفيئة على المدى القصير، إذ يفوق تأثيره الاحتراري ثاني أوكسيد الكربون بعشرات المرات، وأن قطاع النفط والغاز وحده يسهم بنحو ربع انبعاثات الميثان عالمياً، ما يجعل أداء شركات النفط الوطنية، ولا سيما في الشرق الأوسط عاملًا حاسمًا في أي جهد جاد لمواجهة تغيّر المناخ”.
تطورات إيجابية
واستدركت هايتايان: “لا يمكن تجاهل التطورات الإيجابية، فقد أطلقت الحكومة العراقية خلال السنوات الأخيرة مشاريع كبيرة لالتقاط الغاز، أبرزها مشروع مجمع غاز أرطاوي، إلى جانب مشاريع في عدد من الحقول الجنوبية والشمالية”.
موضحة أن “العراق انضم إلى مبادرات دولية للقضاء على الحرق الروتيني وحدد هدفًا لإنهائه بحلول العام (2028)، غير أن الفجوة بين الطموح والنتائج لا تزال واسعة، مع استمرار معدلات الحرق المرتفعة وتأجيل بعض المواعيد المستهدفة”.
كما شددت على أن “خفض انبعاثات الميثان في العراق ليس تحديًا تقنيًا بحتًا، إنما هو تحدّ في الحوكمة والمساءلة والحوافز الاقتصادية، فضلاً عن أن مشاريع البنية التحتية الكبرى، على أهميتها، لن تحقق النتائج المرجوة دون قياس دقيق، وإبلاغ شفاف، وربط واضح بين الأداء البيئي واتخاذ القرار، مؤكدة ضرورة التعامل مع الميثان كقضية أمن طاقة واقتصاد وطني، لا كمجرد التزام مناخي، فالتقاط الغاز يقلل الاستيراد، ويحسن الكهرباء، ويخلق قيمة اقتصادية محلية”.
انبعاث الميثان
في السياق نفسه، بينت مدير معهد حوكمة الموارد الطبيعية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، أن “معهد (NRGI) أصدر في تشرين الأول (2025) تقريرًا بعنوان “القياس من أجل الإدارة”، قيّم فيه كيفية تعامل سبع شركات نفط وطنية في المنطقة مع قياس انبعاثات الميثان والإفصاح عنها والحد منها، بما في ذلك شركات النفط الحكومية في العراق”.
لافتة إلى أن “الخلاصة الأساسية للتقرير تمثلت في أن التقدم في هذا المجال غير متكافئ، فبينما حققت شركات مثل أرامكو السعودية وادنوك الإماراتية خطوات ملموسة بفضل قدراتها المؤسسية وانخراطها في أطر إفصاح دولية صارمة، لا يزال الاداء في دول أخرى ومنها العراق أكثر تواضعًا وبطئاً”.
ويؤكد التقرير أن هذا التفاوت لا يعود فقط إلى نقص التقنيات، بل إلى اختلالات أعمق في الحوكمة والحوافز، إذ تعاني العديد من شركات النفط الوطنية من ضعف الأطر التنظيمية، وتجزؤ البيانات، ومحدودية الشفافية، إضافة إلى أولوية إنتاج النفط على حساب إدارة الغاز، وبغياب أنظمة دقيقة لقياس الميثان والإبلاغ عنه، يصبح من الصعب تحديد حجم المشكلة أو تقييم فعالية أي حلول.
إدارة الغاز
وعليه، يوصي التقرير بضرورة وضع أهداف قابلة للقياس ومحددة زمنيًا، والانضمام إلى أطر دولية مثل الشراكة العالمية للميثان (OGMP 2.0)، وتحسين شفافية البيانات، وإصلاح العقود النفطية بما يمنح حوافز حقيقية لإدارة الغاز، فالعراق يمتلك كل المقومات ليصبح قصة نجاح إقليمية في خفض الميثان، لكن ذلك يتطلب الانتقال من الشعارات إلى التنفيذ، ومن إدارة النفط وحده إلى تخطيط طاقي متكامل يضع الغاز في صميم الأولويات.
على المنحى نفسه، أعلنت الهيئة الوطنية للاستثمار، عن منح أول إجازة استثمارية لمشروع طاقة شمسية بسعة (1000) ميغاواط لشركة “توتال إنرجي” الفرنسية، وهذا المشروع يعد بادرة طموحة في قطاع الطاقة المتجددة بالعراق، حيث بدأت الأعمال التنفيذية الخاصة بالمشروع في منطقة حقل أرطاوي بمحافظة البصرة.








