ارتفاع الذهب العالمي والمحلي انعكس مباشرة على أسعار الذهب في بغداد وأسواق الجملة، حيث بلغ سعر المثقال الواحد من الذهب عيار 21 نحو 1.015 مليون دينار، وسط ترقب وحذر المتعاملين.
لم يعد الذهب مجرد معدن ثمين يستخدم للزينة أو الادخار التقليدي، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مؤشر حساس يعكس نبض العالم السياسي والاقتصادي، ومرآة دقيقة للتوترات الدولية والحروب الاقتصادية المتصاعدة.
ومع تصاعد الأزمات العالمية، عاد المعدن الأصفر ليتصدر المشهد بوصفه الملاذ الآمن الأول للبنوك المركزية والمستثمرين والأفراد، وسط موجة ارتفاعات تاريخية غير مسبوقة في أسعاره.
الذهب.. لغة الأزمات العالمية
يؤكد خبراء صناعة الذهب أن الاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية أعادت رسم خريطة الاستثمار الآمن، حيث يتجه العالم تدريجيًا إلى تقليص الاعتماد على العملات الورقية، ولا سيما الدولار، مقابل تعزيز الاحتياطات من الذهب.
وفي هذا السياق، قال ناجي فرج، خبير صناعة الذهب والمجوهرات، إن الذهب يعد “المرآة الحقيقية للأحداث العالمية”، مشيرًا إلى أن كل أزمة سياسية أو مالية كبرى تنعكس فورًا على أسعار المعدن الأصفر.
وأوضح فرج أن التوترات الدولية، والحروب الاقتصادية، والضغوط التضخمية، دفعت البنوك المركزية والأفراد على حد سواء إلى اللجوء للذهب باعتباره أداة تحوّط موثوقة في مواجهة عدم اليقين، مؤكدًا أن هذا التوجه لم يعد مؤقتًا، بل بات مسارًا استراتيجيًا واضح المعالم.
قفزات قياسية خلال ساعات
وشهدت أسعار الذهب خلال الأيام الأخيرة قفزات غير مسبوقة، إذ ارتفعت الأوقية بأكثر من 150 دولارًا خلال 48 ساعة فقط، لتسجل مستويات تاريخية جديدة قاربت 4850 دولارًا، في سابقة لم يشهدها السوق العالمي من قبل، مع اقترابها الحثيث من كسر حاجز الـ5000 دولار للأوقية.
ويرى فرج أن هذه القفزات لم تكن مفاجئة للمختصين، بل جاءت متسقة مع مسار اقتصادي عالمي مأزوم، موضحًا أن الذهب قد يشهد تراجعات محدودة ومؤقتة بين فترة وأخرى نتيجة عمليات جني الأرباح، إلا أن هذه التراجعات لا تعبّر عن الاتجاه الحقيقي للأسعار، ولا تعني نهاية موجة الصعود.
وأكد أن المؤشرات العالمية، سواء المتعلقة بالسياسات النقدية أو بالمشهد الجيوسياسي، لا تزال ترجح استمرار الارتفاع، مع توقعات بتجاوز سعر الأوقية حاجز 5000 دولار بنهاية شهر يناير، فضلًا عن احتمالية صعود الفضة إلى مستويات تقارب 100 دولار خلال فترة قصيرة.
بغداد تواكب الارتفاع العالمي
ولم تكن الأسواق العراقية بمعزل عن هذه التحولات العالمية، إذ انعكس الارتفاع القياسي للذهب بشكل مباشر على أسعار المعدن الأصفر في أسواق بغداد، ولا سيما في شارع النهر، الذي يعد المؤشر الأبرز لحركة الذهب محليًا.
وسجلت أسعار الذهب في أسواق الجملة صباح اليوم الخميس تراجعًا طفيفًا مقارنة بيوم أمس، حيث بلغ سعر بيع المثقال الواحد عيار 21 من الذهب الخليجي والتركي والأوروبي نحو 1.015 مليون دينار، مقابل سعر شراء بلغ 1.011 مليون دينار، بعد أن كان قد سجّل يوم أمس 1.020 مليون دينار.
أما الذهب العراقي عيار 21، فقد سجل سعر بيع بلغ 985 ألف دينار للمثقال الواحد، فيما بلغ سعر الشراء 981 ألف دينار، وسط حالة من الترقب والحذر في السوق المحلية، مع تراجع نسبي في حجم الإقبال على الشراء.
السياسة تقود السوق
من جانبه، يرى الخبراء أن حركة الذهب باتت مرتبطة بشكل مباشر بالأحداث السياسية العالمية، ولا سيما السياسات الأمريكية وقرارات الاحتياطي الفيدرالي.
ويوضحون أن أسعار الذهب لم تعد تتحرك وفق العوامل التقليدية فقط، مثل العرض والطلب، بل أصبحت تتأثر بشكل كبير بالأخبار السياسية والقرارات الحكومية، وعلى رأسها السياسات النقدية الأمريكية، التي تعد المحرك الأكبر للأسواق العالمية.
كما يرون أن أي قرار يصدر عن الفيدرالي الأمريكي، سواء برفع أسعار الفائدة أو خفضها، ينعكس فورًا على أسعار الذهب، مؤكدًا أن تخفيض الفائدة، في حال حدوثه، سيكون عاملًا مسرّعًا للوصول إلى مستويات 5000 دولار للأوقية.
هل يصل الذهب إلى 6 آلاف دولار؟
وفي قراءة أكثر جرأة للمشهد، لم يستبعد الخبراء أن يشهد الذهب ارتفاعات إضافية خلال الأشهر المقبلة، قد تدفع بأسعار الأوقية إلى مستويات تقارب 6 آلاف دولار بنهاية العام، في حال استمرت الأزمات العالمية دون حلول، وتواصلت السياسات النقدية التيسيرية في الاقتصادات الكبرى.
وأكد أن هذا السيناريو يبقى مرهونًا بتطورات المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، لا سيما ما يتعلق بأسعار الفائدة، ومستويات التضخم، وحركة العملات الرئيسية.








