وحدة العراقيين بدت واضحة حين التحق الآلاف بالجبهات، لتتشكل منظومة قتال ودعم مجتمعي أنهت سنوات الاحتلال الداعشي، وفتحت الباب لمرحلة استقرار سياسي وأمني جديد.
في هذه الأيام قبل ثماني سنوات، سطّر العراقيون نصرهم الكبير على تنظيم داعش الإرهابي، بعد تحرير كل شبر من الأراضي التي اغتصبتها العصابات التكفيرية، حيث كانت المؤسسة العسكرية والأمنية بكل صنوفها في مقدمة المشهد، وإلى جانبها القوى الوطنية التي شاركت في أشرس المعارك وقدمت تضحيات كبرى دفاعًا عن العراق وسيادته.
ولا يمكن الحديث عن تلك المرحلة دون العودة إلى النداء التاريخي للمرجعية الدينية العليا، حيث شكّلت فتوى الجهاد الكفائي نقطة التحول الأساسية، فوحّدت الشعب واستنهضت طاقات الشباب، وأعادت الروح الوطنية إلى الواجهة في لحظة كان فيها الخطر وجوديًا.
ثماني سنوات مرّت، ولا تزال تلك الملحمة شاهدًا حيًا على قدرة العراقيين على التغيير وصون الأرض والإنسان، بعد أن هزموا مشروعًا إرهابيًا عابرًا للحدود.
فتوى الجهاد.. الشرارة الأولى لمعركة التحرير
الفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، يؤكد أن التجربة التي خاضها العراقيون ضد داعش مثّلت منعطفًا تاريخيًا مهمًا، رسّخ وحدة النسيج الاجتماعي وعزّز الهوية الوطنية.
وقال معن، إن مواجهة داعش كانت اختبارًا قاسيًا أثبت قوة المجتمع وصلابته وقدرته على التوحد أمام الأخطار الكبرى.
وأشار إلى أن فتوى الجهاد الكفائي كانت الحدث الأبرز الذي أعاد التوازن للميدان، وأطلق حالة تعبئة وطنية شاملة أسهمت في تحول المعركة من الدفاع إلى الهجوم. فقد اندفع عشرات الآلاف للتطوع، والتحقوا بالقوات الأمنية، لتبدأ مرحلة التحرير واحدة بعد أخرى.
وفي المناطق التي سيطر عليها داعش، حاول التنظيم فرض قيم دخيلة وقمع المجتمعات المحلية، لكنه واجه رفضًا واسعًا، إذ تعمّق وعي العراقيين بأن المشروع المتطرف لا يمت لبيئتهم وهويتهم بصلة، مما عزز وحدة الرد الشعبي ضده.
سكان المناطق المغتصبة.. الحاضنة الرافضة للإرهاب
شدّد معن على أن سكان المناطق التي احتلها التنظيم كانوا أول المتضررين من قمعه، لكنهم في الوقت نفسه كانوا من أهم من أسهم في مقاومته، إذ قدّموا الدعم للقوات الأمنية بالمعلومات والتنسيق والصمود، وظهرت مجموعات عشائرية قاتلت التنظيم رغم ظروف الاستهداف والتجويع.
وقال إن لحظة التحرير مثلت لهؤلاء السكان عودة الحياة والقانون والدولة بعد سنوات مظلمة، موضحًا أن عودة الناس إلى بيوتهم ومدارسهم وأعمالهم كانت تجسيدًا لعودة الحق إلى أهله.
تماسك المجتمع بعد النصر
من جانبه، يؤكد الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن مرحلة ما بعد القضاء على داعش شهدت عودة واضحة لتماسك النسيج المجتمعي، خصوصًا في المناطق المحررة شمالًا وغربًا، فالعشائر عادت إلى مناطقها وأسهمت في تثبيت روح الأخوة بين المكونات العراقية.
ووصف أبو رغيف ما تحقق بأنه “نصر ناجز” مكّن العراقيين من استعادة وحدتهم، حيث ارتفع منسوب الشعور الوطني وتراجعت حدة الانقسامات التي حاول الإرهاب تكريسها.
وأضاف أن فتوى الجهاد الكفائي لعبت الدور الأبرز في هذا التحول، إذ امتزجت دماء المقاتلين من مختلف المحافظات في السواتر، ما أعاد اللحمة الوطنية إلى عمقها التاريخي.
وأشار إلى أن التنظيم ارتكب جرائم واسعة بحق أبناء المناطق التي احتلها، ومنها عمليات قتل جماعي في وادي الخسفة وإعدامات بحق الآلاف، لكنه تجنب ذكر تفاصيل مروعة حفاظًا على قدسية الشهداء وحرمة المشاهد المؤلمة.
المرجعية.. صمام الأمان
السياسي نبيل العزاوي يصف مرور ثماني سنوات على التحرير بأنه محطة مفصلية في تاريخ العراق، ويرى أن النصر ما كان ليتحقق لولا فتوى الجهاد الكفائي التي وحدت العراقيين، إضافة إلى جهود القوات الأمنية والحشد والبيشمركة.
وأكد العزاوي أن العراق انتقل من مرحلة الخطر إلى مرحلة الاستقرار والانفتاح على الإعمار والتنمية، وأن المرجعية الدينية كانت ولا تزال صمام الأمان في مواجهة المخاطر، ومصدر قوة يعزز تماسك المجتمع.
من جانبه، يرى المحلل السياسي حيدر البرزنجي أن تجربة مواجهة داعش أسست لمرحلة جديدة من وحدة النسيج الاجتماعي، بعد أن امتزجت دماء العراقيين بمختلف انتماءاتهم في ساحات القتال.
وأكد البرزنجي أن نداء المرجعية استجاب له أكثر من ثلاثة ملايين عراقي، ما شكل موجة دفاعية شعبية واسعة غيرت مسار المعركة، ووحدت القلوب رغم اختلاف المشارب والتوجهات.
بدوره، يؤكد الخبير العسكري سرمد البياتي أن العراق تمكن من تجاوز آثار المرحلة العصيبة التي مر بها بعد احتلال داعش لمدن واسعة، وأن الشعب والقوات الأمنية أعادوا المبادرة في تحرير الأرض وإعادة الأمن.
وأشار إلى أن ممارسات التنظيم كانت محاولة لهدم البنية الإنسانية والاجتماعية، لكن الوعي الشعبي والرفض القاطع أسهما في إحباط مشروعه، كما أصبح الأهالي اليوم من أهم عوامل منع عودة الفكر المتطرف عبر الإبلاغ المبكر عن أي نشاط مشبوه.
ثماني سنوات مضت على النصر العراقي الكبير، لكن ذاكرة البلاد لا تزال تحتفظ بكل تفاصيل الملحمة: دماء المقاتلين، وحدة الشعب، نداء المرجعية، وعودة المدن إلى أهلها، لقد كتب العراقيون واحدة من أهم صفحات تاريخهم الحديث، وأثبتوا للعالم أن وحدة الإرادة الوطنية قادرة على هزيمة أخطر المشاريع الإرهابية، وصنع مستقبل يستند إلى التضحيات والصلابة والوعي الجماعي.








