ارتفاع أسعار الذهب دفع الأسواق العراقية إلى نشاطٍ محموم في الشراء، لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن المضاربات وتهريب الذهب قد تزعزع استقرار السوق. الدعوة الآن لتعزيز الرقابة الجمركية وضبط حركة الاستيراد لحماية المستهلك من فوضى الأسعار.
في ظل استمرار الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية حول العالم، يواصل «المعدن الأصفر» صعوده التاريخي، بعدما تجاوزت أسعار الأونصة حاجز (4 آلاف) دولار خلال الأشهر الماضية، وهو أعلى مستوى تشهده الأسواق العالمية في تاريخها الحديث.
هذا الارتفاع اللافت، الذي ارتبط بتزايد المخاطر الدولية وتراجع أسعار النفط والمعادن الأخرى، انعكس بصورة مباشرة على السوق العراقية التي تعتمد على الاستيراد لتلبية الطلب المحلي على الذهب، وسط تحذيرات من استغلال الظرف الراهن في المضاربات والاحتكار، وتوقعات باستمرار الموجة الصعودية في المدى القريب.
ويرى المستشار المالي لرئيس الوزراء، الدكتور مظهر محمد صالح، أن العالم يعيش اليوم ما يعرف بـ”دورة أصول إستراتيجية”، تشهد هبوطاً في أسعار النفط والمعادن الصناعية، مقابل صعود كبير في أسعار الذهب، الذي استعاد مكانته كـ”الملاذ الآمن” للمستثمرين والدول.
وقال صالح، إن البنوك المركزية الكبرى، ولا سيما في الصين والهند، اتجهت نحو التحوط بالذهب لدعم عملاتها الوطنية والتقليل من الاعتماد على السندات الأميركية، وهو ما رفع الطلب العالمي على المعدن الأصفر.
الكميات الداخلة
وأضاف أن العراق يعد مستوردًا صافيًا للذهب، وتقدّر الكميات الداخلة إليه بنحو (50) كيلوغرامًا يوميًا لتغطية الطلب المحلي المتنامي، لافتًا إلى أن التحول العالمي في اتجاهات الاستثمار انعكس بشكل مباشر على السوق العراقية التي تشهد حركة نشطة في الطلب رغم الارتفاعات القياسية.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الذهب في جوهره يعكس تراجعًا في قيمة الدولار، ما يدفع الأفراد والمستثمرين إلى تحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى الذهب، لحماية أموالهم من الخسارة المحتملة نتيجة تذبذب أسواق الصرف. ودعا صالح إلى تعزيز الرقابة الجمركية والحدودية لمنع تسرب الذهب إلى الخارج وضمان استقرار الأسعار في السوق الوطنية.
كما بين إن بعض التجار قد يلجؤون إلى تصدير الذهب الخام أو المعاد تصنيعه لتحقيق أرباح غير مشروعة.
انعكاس مباشر لاضطراب النظام المالي العالمي
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي مظهر الغيثي أن الارتفاع الكبير في أسعار الذهب هو انعكاس مباشر لاضطراب النظام المالي العالمي، وما يرافقه من توترات إقليمية وتباطؤ اقتصادي في الأسواق الغربية.
وقال الغيثي : إن الظروف الراهنة دفعت المستثمرين الدوليين إلى تحويل أموالهم من الأسهم والسندات إلى الذهب، باعتباره أكثر استقرارًا في فترات الأزمات.
النشاط التجاري
وبيّن أن استمرار الارتفاع في الأسعار قد يترك آثارًا سلبية في النشاط التجاري والاستهلاكي داخل العراق، من خلال ركود سوق الحلي والمجوهرات وتراجع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، فضلًا عن زيادة الميل إلى الاكتناز.
وأشار إلى أهمية اتخاذ إجراءات مزدوجة لمواجهة هذا الارتفاع، من خلال تعزيز الثقة بالدينار واستقرار السياسة النقدية، إلى جانب ضبط المضاربات غير المشروعة التي قد ترفع الأسعار محليًا دون مبررات واقعية. وتوقع الغيثي أن تبقى الأسعار مرتفعة على المدى القصير بفعل استمرار التوترات الإقليمية وتراجع الدولار، مع احتمال حدوث تصحيح جزئي إذا ما استقرت الأوضاع الاقتصادية والسياسية العالمية.
التخلي عن احتياطيات الدولار والتوجه نحو الذهب
أما المختص في الشأن الاقتصادي ضرغام محمد علي، فقد ربط ارتفاع أسعار الذهب محليًا بتذبذب أسعار العملات وتراجع الأداء الاقتصادي عالميًا، مبينًا أن هذه العوامل دفعت البنوك المركزية والمستثمرين إلى التخلي عن جزء من احتياطيات الدولار والتوجه نحو الذهب كبديل أكثر أمانًا.
وقال محمد علي إن “الاضطراب في أسواق العملات جعل منها ملاذًا غير آمن، فيما استعاد الذهب مكانته كمخزن للقيمة، خصوصًا في ظل تزايد المخاوف من تباطؤ النمو العالمي».
وأشار إلى أن هذه التطورات ولّدت ضغطًا على الأسواق المحلية، وأدت إلى سحب جزء من احتياطيات الذهب لدى الصاغة وتأخر عمليات الاستيراد، مما تسبب في ندرة نسبية للذهب الخام وارتفاع أسعاره. وأضاف أن البيانات العالمية تشير إلى تباطؤ اقتصادي متواصل، ما يدفع المستثمرين والمضاربين على حد سواء إلى التمسك بالذهب سعيًا وراء تحقيق أرباح إضافية في ظل الغموض الاقتصادي السائد.
وتوقع أن يستمر الاتجاه الصعودي في أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل صعوبة التعويض في السوق العراقية، ومحدودية البدائل الاستثمارية الآمنة أمام المواطنين.








