د. ليث عبدالستار عيادة
تجاوزَ الإعلامُ دورَهُ التقليديَّ كـ سلطةٍ رابعةٍ ليصبحَ بنيةً سلطويةً مستقلةً تُعيدُ تشكيلَ الواقعِ وإدارةَ المعنى. إنَّ خطورةَ هذهِ السلطةِ تكمنُ في طبيعتِها غيرِ المرئيةِ وقدرتِها على التأثيرِ العميقِ في الإدراكِ والسلوكِ الجمعيِّ، مما يستدعي تعزيزَ الثقافةِ الإعلاميةِ لمواجهةِ التضليلِ الرقميِّ وتوجيهِ هذهِ القوةِ لخدمةِ الصالحِ العامِ…
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة في بنية السلطة ومصادر التأثير، حيث لم تعد السلطة حكراً على المؤسسات السياسية التقليدية، بل أصبحت موزعة بين فاعلين جدد يمتلكون أدوات التأثير في الوعي والسلوك الجمعي. وفي هذا السياق، برز الإعلام بوصفه أحد أهم مصادر القوة، إلى الحد الذي دفع العديد من الباحثين إلى اعتباره “السلطة الأولى” في العصر الحديث، نظراً لقدرته الفائقة على تشكيل الإدراك العام، وتوجيه الرأي العام، والتأثير في القرارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ويستند هذا الطرح إلى التحول من مفهوم السلطة القائم على الإكراه المادي إلى مفهوم أكثر تعقيداً يعتمد على السيطرة الرمزية وإدارة المعنى.
لقد ارتبط مفهوم “السلطة الرابعة” تاريخياً بالإعلام، في إشارة إلى دوره الرقابي إلى جانب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلا أن التطورات التكنولوجية، وخاصة الثورة الرقمية، أسهمت في إعادة تعريف هذا الدور بشكل جذري. فلم يعد الإعلام مجرد وسيط ناقل للأحداث، بل أصبح فاعلاً أساسياً في إنتاجها وصياغتها، بل وفي إعادة تشكيل الواقع ذاته من خلال التحكم في كيفية عرضه وتفسيره. ومن هنا، يمكن القول إن الإعلام تجاوز دوره التقليدي ليصبح بنية سلطوية مستقلة تمارس نفوذاً واسعاً يفوق في كثير من الأحيان نفوذ المؤسسات الرسمية.
تعتمد قوة الإعلام المعاصر على قدرته على بناء الأجندة العامة للمجتمع، حيث يحدد القضايا التي يجب أن تحظى باهتمام الجمهور، ويعيد ترتيب أولوياتها وفقاً لمعايير قد تكون مهنية أو أيديولوجية أو اقتصادية. كما يمارس الإعلام دوراً محورياً في تأطير الأحداث، أي تقديمها ضمن سياقات معينة تؤثر في طريقة فهمها وتفسيرها، الأمر الذي يمنحه قدرة كبيرة على توجيه المواقف والاتجاهات. وإلى جانب ذلك، يسهم التكرار والانتشار الواسع للمحتوى في ترسيخ رسائل معينة في الوعي الجمعي، مما يجعلها تبدو وكأنها حقائق موضوعية لا تقبل الجدل.
ومع ظهور الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، تضاعف تأثير الإعلام بشكل غير مسبوق، حيث أصبح كل فرد قادراً على أن يكون منتجاً وناشراً للمحتوى، مما أدى إلى تراجع احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية للمجال العام. إلا أن هذا التحول لم يُضعف من سلطة الإعلام، بل أعاد تشكيلها في صورة أكثر تعقيداً، حيث أصبحت السلطة موزعة بين المنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى التي تتحكم في تدفق المعلومات عبر خوارزميات معقدة. وتكمن خطورة هذا التحول في أن هذه الخوارزميات لا تعمل بالضرورة وفق معايير الشفافية أو المصلحة العامة، بل تخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات تجارية أو سياسية، مما يمنح هذه الجهات قدرة هائلة على التأثير غير المرئي في وعي المستخدمين.
إن اعتبار الإعلام سلطة أولى لا يعني فقط الاعتراف بقوته، بل يستدعي أيضاً تحليل آليات هذه القوة وأدواتها. فالإعلام يمارس تأثيره من خلال إنتاج الخطاب، وبناء الصور الذهنية، وإعادة تعريف المفاهيم، وهي أدوات تتجاوز التأثير المباشر لتصل إلى مستوى تشكيل القناعات العميقة. كما أنه يمتلك القدرة على صناعة “الواقع الرمزي”، حيث يتم تقديم تمثيلات معينة للعالم قد لا تعكس الواقع الموضوعي بقدر ما تعكس مصالح الجهات المنتجة للمحتوى. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب الفصل بين الحقيقة والتأويل، وهو ما يفتح المجال أمام ظواهر مثل التضليل الإعلامي وانتشار الأخبار الزائفة.
ومن جهة أخرى، يؤدي الإعلام دوراً حاسماً في التأثير في العمليات السياسية، سواء من خلال دعم مرشحين معينين، أو التأثير في اتجاهات التصويت، أو حتى خلق أزمات سياسية عبر تسليط الضوء على قضايا محددة. وقد أثبتت العديد من التجارب أن الإعلام يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في صعود أو سقوط أنظمة سياسية، مما يعزز من فرضية كونه سلطة تتجاوز في تأثيرها الحدود التقليدية للسلطات الأخرى. كما أن دوره في تشكيل الرأي العام يجعله أداة مركزية في إدارة الصراعات، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي.
ورغم هذه الأهمية، يواجه مفهوم الإعلام كسلطة أولى جملة من التحديات والإشكاليات، أبرزها مسألة المصداقية، حيث أدى التوسع في إنتاج المحتوى إلى تراجع معايير الجودة في كثير من الأحيان، مما أسهم في انتشار المعلومات غير الدقيقة. كما تطرح مسألة الملكية الإعلامية تساؤلات حول مدى استقلالية وسائل الإعلام، خاصة عندما تكون مملوكة لجهات ذات مصالح سياسية أو اقتصادية. إضافة إلى ذلك، يثير الاستخدام المتزايد للتقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، مخاوف تتعلق بإمكانية التلاعب بالمحتوى بشكل أكثر دقة وتعقيداً.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الإعلام قد تحول من مجرد أداة لنقل المعلومات إلى قوة مركزية تشكل أحد أهم مصادر السلطة في العصر الحديث. وتكمن خطورة هذه السلطة في طبيعتها غير المرئية وقدرتها على التأثير العميق في الإدراك والسلوك دون وعي مباشر من المتلقي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وتطوير أطر تنظيمية تضمن التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، بما يسهم في توجيه هذه القوة نحو خدمة الصالح العام بدلاً من استخدامها كأداة للهيمنة أو التلاعب.







