زينب فخري
يأتي هذا التطورُ في وقتٍ حذّرَ فيه تقريرٌ أمميٌ حديثٌ من دخولِ العالمِ ما وصفهُ بـ عصرِ الإفلاسِ المائي؛ لذا فإنَّ ابتكارَ تقنيةِ استخلاصِ المياهِ من الهواءِ الجافِ عبر الكيمياءِ الشبكية يمثلُ خياراً أكثرَ استدامةً من التحليةِ التقليدية، ونموذجاً لحلولٍ لامركزيةٍ قد تعيدُ رسمَ خريطةِ الأمنِ المائي في المناطقِ الأكثرِ هشاشةً كالعراق…
بعد أن أصبح العراق مهدداً بالجفاف، وأمنه المائي في خطر محدقٕ، لماذا لا يلجأ إلى التقنيات الحديثة للحفاظ على مناسيب نهري دجلة والفرات، هل عجزت العقول العراقية عن الابتكار؟ بل لماذا لا تتوجه الجهات المعنية لاعتماد هذه التقنيات؟!
وآخرها: ابتكار تقنية لاستخلاص المياه من الهواء الجاف، وهو اختراع صديق للبيئة قادر على إنتاج ألف لتر يومياً دون الحاجة لشبكة كهرباء مركزية.
ومخترع هذه التقنية عالم الكيمياء السعودي الحائز على جائزة نوبل، عمر ياغي الذي قال: إن اختراعه الجديد لاستخلاص المياه من الهواء يمكن أن يشكّل تحولًا نوعيًا في مواجهة أزمات الجفاف وانقطاع الإمدادات، خصوصًا في الدول الجزرية والمناطق المعرضة للكوارث المناخية. وتعتمد التقنية على مجال علمي يُعرف بـ”الكيمياء الشبكية” (Reticular Chemistry)، ويقوم على تصميم مواد ذات بنية جزيئية دقيقة قادرة على التقاط الرطوبة من الهواء وتحويلها إلى مياه صالحة للاستخدام، حتى في البيئات القاحلة والصحراوية وفقاً لصحيفة الغارديان البريطانية.
وبحسب شركة Atoco، التي أسسها ياغي، فإن الوحدات المخصصة لهذه التقنية – بحجم حاوية شحن بطول 20 قدمًا – تعمل بالكامل بطاقة حرارية منخفضة جدًا من البيئة المحيطة، ويمكنها إنتاج ما يصل إلى 1000 لتر من المياه النظيفة يوميًا، دون الاعتماد على شبكات كهرباء أو مياه مركزية.
وتتيح هذه الميزة تشغيلها في المناطق المتضررة من الأعاصير أو الجفاف، حيث غالبًا ما تتعطل البنية التحتية التقليدية، ويأتي هذا التطور في وقت حذّر فيه تقرير أممي حديث من دخول العالم ما وصفه بـ”عصر الإفلاس المائي”، حيث يعيش نحو ثلاثة أرباع سكان الكوكب في دول تعاني درجات متفاوتة من انعدام الأمن المائي، فيما يفتقر أكثر من ملياري إنسان إلى مياه شرب مُدارة بأمان.
ويقول مسؤولون إن قدرة التقنية على العمل خارج الشبكات التقليدية تمثل ميزة استراتيجية، في ظل ارتفاع كلفة استيراد المياه وزيادة المخاطر المرتبطة بتعطل الأنظمة المركزية أثناء الكوارث.
وهذه التقنية تمثل خيارًا أكثر استدامة، مقارنةً بتحلية مياه البحر، التي قد تؤثر سلبًا في النظم البيئية البحرية بسبب إعادة تصريف المحاليل الملحية المركزة، ويطرح هذا الابتكار نموذجًا لحلول لامركزية قد تعيد رسم خريطة الأمن المائي في المناطق الأكثر هشاشة.
تساؤل مفتوح إلى وزارة الموارد المائية العراقية:
في ظل دخول العراق مرحلة الحرجة من الإفلاس المائي وتراجع مناسيب دجلة والفرات إلى مستويات تاريخية، ومع بزوغ تقنيات الكيمياء الشبكية التي تتيح استخلاص ألف لتر يومياً من رطوبة الهواء الجاف بعيداً عن المركزية التقليدية.. أين تقع هذه الابتكارات في خططكم الاستراتيجية؟ وهل ننتظر نضوب الأنهار تماماً لنبدأ بالتفكير في بدائل الهواء؟
رؤية استشرافية
تُشير المعطيات المناخية إلى أن الاعتماد الكلي على مياه الأنهار والظروف الجيوسياسية لدول الجوار بات يمثل مغامرة بالأمن القومي. الرؤية المستقبلية تقتضي الانتقال من دولة المصب التي تنتظر حصتها، إلى دولة الاستخلاص التي تستثمر في مواردها الجوية والمحلية.
- توطين تكنولوجيا الكيمياء الشبكية: بدلاً من استيراد المياه، يجب توقيع مذكرات تفاهم مع شركات ابتكار عالمية (مثل Atoco) لإنشاء محطات استخلاص مياه صغيرة الحجم (حاويات 20 قدماً) في المناطق الأكثر جفافاً والقرى النائية التي خرجت عن الخدمة المائية.
- الاستثمار في المناطق الرطبة عراقياً: على الرغم من الجفاف، يمتلك العراق مناطق ذات رطوبة نسبية عالية (البصرة، ميسان، ذي قار). التوصية تقضي بنشر “مزارع حصاد الرطوبة” في هذه المناطق لتوفير مياه الشرب والزراعة المحدودة (البيوت الزجاجية) بعيداً عن مياه الأنهار الملوثة أو المالحة.
- تبني اللامركزية المائية في المدن الجديدة: إلزام المجمعات السكنية الجديدة والمدن الذكية بدمج تقنيات استخلاص المياه من الهواء ضمن بنيتها التحتية، لتخفيف العبء عن الشبكات الوطنية المركزية وتأمين موارد ذاتية مستدامة.
- تأسيس مختبر الابتكار المائي العراقي: دعم العقول العراقية في كليات العلوم والهندسة لابتكار مواد (MOFs) محلية تتناسب مع درجات الحرارة العالية في العراق، وتحويل رطوبة الهواء إلى مورد مالي واقتصادي.
- التحول نحو الطاقة الحرارية المنخفضة: بما أن هذه التقنيات تعمل بطاقة حرارية بسيطة، يجب ربطها مباشرة بالطاقة الشمسية المتوفرة بكثافة في العراق، لضمان استمرارية إنتاج المياه على مدار 24 ساعة دون الحاجة لوقود أحفوري.








