تعد الفجوة الرقمية في العراق من أبرز التحديات التي تواجه القطاع المالي، حيث يفتقر إلى الأنظمة المتقدمة لكشف التزييف والاحتيال الرقمي.
بينما يتسابق العالم نحو المالية الرقمية والذكاء الاصطناعي الفائق، يبدو أن المنظومة المالية في العراق لا تزال تسكن في الماضي، محاصرةً بفجوة زمنية تقارب العقد من الزمان؛ ففي الوقت الذي تبتكر فيه مافيات وعصابات غسل الأموال الدولية ادوات واساليب لا يمكن كشفها بالعين المجردة، يكتفي البنك المركزي بإصدار تحذيرات ورقية تضع العبء الأكبر على عاتق موظف المصرف البسيط، في مشهد يعكس عمق التراجع التقني والإداري.
فجوة زمنية
مختصون قالوا ان القراءة المتأنية لتوجيهات البنك المركزي الأخيرة بشأن مخاطر التزييف الرقمي، تكشف عن واقع مأزوم يعيشه القطاع المصرفي؛ حيث تتقاطع طموحات الرقابة مع أدوات تشغيلية تجاوزها الزمن بقرابة الثماني سنوات.
واشاروا الى ان هناك إشكالية حقيقية في تحميل المصارف والكوادر البشرية لوحدها مسؤولية كشف جرائم صممت بالأساس لتضليل الحواس والأنظمة المتطورة معاً. كما ان الفارق الزمني الشاسع بين سرعة ابتكار أدوات الجريمة المالية وبطء استجابة المنظومة الرقابية، بحسب المختصين، قد خلق بيئة تفتقر إلى الحماية الاستباقية.
قطاع مالي متخلف تكنولوجياً
في هذا الشأن، وصف أستاذ الاقتصاد الدولي د. نوار السعدي، أن تعميم البنك المركزي حول مخاطر الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق بانه “خطوة متأخرة” في إدراك حجم التهديدات الرقمية التي تواجه القطاع المالي، لكنه في الوقت ذاته يفضح فجوة واضحة بين مستوى المخاطر ومستوى الجاهزية المؤسسية.
وقال السعدي، إنّ “مطالبة المصارف باستخدام أدوات كشف متقدمة دون توفير بنية تقنية مركزية أو منصات وطنية موحدة للتحقق الرقمي تعني عملياً نقل عبء المعالجة إلى المصارف، بينما هذه المخاطر عابرة للمؤسسات، وتحتاج إلى استجابة مركزية منظمة”.
ثم اكد أن العراق ما زال يفتقر الى منظومة متكاملة لكشف التزييف الرقمي المتقدم، سواء على مستوى الهويات أو الوثائق المالية، ونحن أمام ثغرة تقنية حقيقية تسمح بمرور حسابات وهمية أو معاملات مشكوك فيها، خصوصاً مع ضعف الربط الإلكتروني بين المؤسسات، وغياب قواعد بيانات موحدة ومحدثة يمكن الرجوع إليها للتحقق الفوري.
وهذا الضعف، حسب السعدي، لا يرتبط فقط بالتكنولوجيا، إذ يتعلق أيضاً بالإجراءات والحوكمة عموماً.
خطوة متأخرة لكنها ضرورية
من جهته، اكد الخبير الاقتصادي أحمد عبد ربه، إن مسؤولية الامتثال وإدارة المخاطر تقع أساساً على عاتق المصارف، وهو نهج معمول به عالمياً، لكن التجارب الدولية تظهر أن البنوك المركزية غالباً ما توفر منصات مركزية للتحقق الرقمي، وقواعد بيانات موحدة للإنذار المبكر، وأنظمة تحقق بيومترية مرتبطة بالسجل المدني أو الهوية الوطنية.
وأضاف أن “تأخر الاستثمار المركزي في هذه البنى جعل بعض المصارف تعمل بأدوات متفاوتة الجودة، وأحياناً بقدرات محدودة لا توازي حجم المخاطر المعلنة”.
وحول الكوادر المصرفية، أشار الى أن “التدريب موجود شكلياً في أغلب المؤسسات، لكنه يحتاج الى تعميق عملي وتقني، إذ إن المخاطر المرتبطة بالتزييف العميق والاحتيال الرقمي تتطلب خبرات في تحليل البيانات، وفهم الأنظمة البيومترية، وآليات التعرف على الأنماط المشبوهة”.
كما لفت الى ان “تحميل موظف فتح الحساب مسؤولية كشف تلاعب تقني متقدم دون منظومة مركزية داعمة يضع عبئاً غير متوازن على الحلقة الأضعف في السلسلة الرقابية”.
وأوضح أن “تأخر اعتماد أنظمة التحقق الرقمي والبيومتري حتى عام 2024 يعكس تحديات تمويلية وتنظيمية، إضافة إلى بطء التحول الرقمي في القطاع العام، ففي حين أصبحت هذه التقنيات معياراً عالمياً منذ عام 2016، ظل القطاع المصرفي العراقي يركز على الامتثال الورقي أكثر من الاستثمار في البنية الرقمية المتكاملة”.
إعمام البنك المركزي
الى ذلك، اعتبر الخبير القانوني، صفاء الشمري، أن الأعمام الصادر عن البنك المركزي العراقي، يمثل وثيقة اعتراف تكشف فجوة تقنية وتنظيمية كبيرة في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مشيراً إلى أن النظام المصرفي العراقي تأخر بين 6 و8 سنوات عن المعايير الدولية.
وأوضح، أن دائرة الرقابة على المصارف في البنك المركزي أصدرت الأعمام الموجهة الى جميع المصارف المجازة والمؤسسات المالية غير المصرفية، محذرة من مخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تزوير المستندات والوثائق وانتحال الهوية المصرفية، وملزمة الجهات المشمولة بسلسلة إجراءات تصحيحية.
ثم أضاف، أن تحليل الأعمام “يكشف وجود 9 مؤشرات تنظيمية رئيسة تمثل نقاط ضعف في النظام السابق، أبرزها إلزام المصارف باعتماد أنظمة التحقق الآلي التحقق الآلي من المستندات، ما يعني أن الاعتماد على التحقق اليدوي كان يقترب من 100 في المائة، في إجراءات فتح الحساب، وهو ما يرفع مخاطر الاحتيال بنسبة تصل إلى 300 في المائة، مقارنة بالتحقق الآلي وفق تقارير الامتثال الدولية”.
ثم أشار الشمري إلى أن الأعمام نص على “اعتماد آلية السحب البيانات من المصدر الرسمي، للتحقق من البيانات مباشرة من المصدر الرسمي، بدل الاعتماد على مستندات يقدمها العميل والتي تعتبر من أخطر الثغرات في عمليات تبييض الأموال”.








