تشهد الطاقة العراقية انطلاق مشاريع الغاز المتكامل في البصرة، بما يشمل معالجة الغاز المصاحب وتغذية محطات الكهرباء، لتعزيز الكفاءة وتقليل الهدر ودعم استقلالية الشبكة الوطنية.
يدخل قطاع الطاقة العراقي عام 2026 وهو يحمل آمالًا كبيرة بتجاوز عقد من الاختلالات الهيكلية التي أثقلت الإنتاج والكهرباء والاستثمار. وبين مشروعات الغاز العملاقة وإعادة رسم خريطة الشراكات النفطية وتوسع الطاقة الشمسية تبدو بغداد أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تثبيت استقرار المنظومة الطاقية وتحقيق الأمن الاقتصادي.
الغاز المتكامل.. بوابة التحول الاستراتيجي
يترقب قطاع الطاقة العراقي في 2026 دخول المرحلة الأولى من مشروع تنمية الغاز المتكامل حيز التنفيذ التشغيلي، في خطوة ينظر إليها على أنها واحدة من أكثر المبادرات تأثيرًا في مسار الصناعة النفطية خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي المشروع ضمن رؤية حكومية لمعالجة معضلة الغاز المصاحب الذي ظل لعقود عاملًا ضاغطًا على كفاءة إنتاج الطاقة في البلاد.
ويقوم المشروع على شراكة دولية تضم وزارة النفط العراقية وكُلًا من شركة توتال الفرنسية وشركة قطر للطاقة، ضمن اتفاقيات استراتيجية أبرمت في إطار صفقة استثمارية كبرى قدرت قيمتها الإجمالية بنحو 27 مليار دولار.
وقد جرى توقيع هذه الصفقة في يوليو/تموز 2023 لتطوير أربعة محاور رئيسية للطاقة في محافظة البصرة، ما يجعلها من أكبر مشاريع الاستثمار الطاقي في تاريخ العراق الحديث.
ويشمل المشروع منظومة إنتاجية متكاملة تبدأ من حقل أرطاوي النفطي، الذي يُعد أحد الحقول الواعدة في الجنوب العراقي، مرورًا بمحطة معالجة مياه البحر بطاقة تشغيلية تصل إلى 7.5 مليون برميل يوميًا، وهي محطة مصممة لدعم عمليات الضخ المعزز في الحقول الجنوبية والحفاظ على الضغوط المكمنية داخل الخزانات النفطية.
ومن الناحية الاقتصادية، من المتوقع أن يخلق المشروع مسارًا جديدًا للتكامل بين النفط والغاز والكهرباء والمياه، حيث لا يقتصر الهدف على زيادة الإنتاج، بل يمتد إلى تحسين كفاءة الاستخدام وتقليل الهدر في الموارد الطبيعية.
كما يمثل المشروع نموذجًا للشراكات الدولية طويلة الأمد التي تسعى الحكومة العراقية إلى توسيعها خلال المرحلة المقبلة.
غرب القرنة 2.. إعادة تشكيل المشهد الاستثماري
يحمل عام 2026 تطورًا مهمًا يتعلق بحقل غرب القرنة 2 النفطي، بعد انسحاب شركة لوك أويل الروسية في ظل الضغوط المرتبطة بالعقوبات الدولية والتغيرات الجيوسياسية في سوق الطاقة العالمي.
ويعد الحقل من أكبر الحقول النفطية العراقية من حيث الاحتياطيات والإنتاجية الاستراتيجية، ما يجعل ملف انتقال ملكيته التشغيلية محور اهتمام داخلي وخارجي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى وجود اهتمام من شركات أميركية كبرى مثل إكسون موبيل وشيفرون، إضافة إلى شركة “مداد” السعودية للطاقة، بالدخول في صفقة الاستحواذ على الحصة التشغيلية للحقل.
كذلك يكشف هذا التنافس تحولًا في خريطة الشراكات النفطية العراقية نحو تنويع المصادر الاستثمارية وتقليل الاعتماد على طرف دولي واحد.
وتقدر القيمة الإجمالية للأصول المرتبطة بعمليات لوك أويل في الخارج، بما في ذلك مشروع غرب القرنة 2، بنحو 22 مليار دولار، وهو رقم يجعل الصفقة المرتقبة واحدة من أكبر صفقات قطاع الطاقة في المنطقة خلال الفترة المقبلة.
معدلات الإنتاج النفطي
ويرى اقتصاديون أن حسم هذه الصفقة سيكون عاملًا مؤثرًا في استقرار معدلات الإنتاج النفطي العراقي وضمان استمرار تدفق الصادرات إلى الأسواق العالمية.
وينتظر أن تضع الحكومة العراقية شروطًا تشغيلية تضمن الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية وتطوير البنية التحتية للحقل، إلى جانب الالتزام بالمعايير البيئية والفنية الدولية.
كما تحاول بغداد استقطاب شركات تمتلك خبرة طويلة في تطوير الحقول العملاقة المعقدة جيولوجيًا.
ومن الناحية الجيوسياسية، قد تسهم هذه الخطوة في تعزيز حضور الشركات الغربية داخل قطاع الطاقة العراقي، في إطار استراتيجية تهدف إلى تحقيق توازن في العلاقات الاستثمارية بين الشرق والغرب، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي والسياسي لملف الطاقة.
حقل طوبة.. نموذج الصناعة المتكاملة
يبرز مشروع حقل طوبة النفطي كأحد أبرز مشاريع قطاع الطاقة العراقي في 2026، إذ يتجه العراق نحو تطوير نموذج صناعي متكامل يجمع بين استخراج النفط ومعالجته وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
ويقود تطوير الحقل تحالف شركات صينية بعد توقيع اتفاقات مبادئ تمهد للبدء بالتنفيذ الفعلي للمشروع.
ويستهدف المشروع الوصول إلى إنتاج نفطي يقارب 200 ألف برميل يوميًا، إلى جانب استثمار ما يقرب من 50 مليون قدم مكعبة من الغاز المصاحب. ولا يقتصر المشروع على الجانب الاستخراجي، بل يمتد ليشمل إنشاء مجمع صناعي متكامل داخل منطقة العمل.
ويتضمن المخطط إنشاء مصفاة نفطية بطاقة معالجة تصل إلى 200 ألف برميل يوميًا، إضافة إلى إقامة مصنع للبتروكيمياويات ومعمل لإنتاج الأسمدة الزراعية، ما يفتح الباب أمام تطوير قطاع الصناعة التحويلية المرتبط بالطاقة.
ومن أهم عناصر المشروع أيضًا بناء محطتي توليد كهرباء بطاقة إجمالية تصل إلى نحو 1200 ميغاواط، وهو ما يمثل دعمًا مباشرًا للشبكة الوطنية للكهرباء التي تعاني من ارتفاع الطلب خلال فصل الصيف في العراق.
ومن المتوقع أن يسهم المشروع في تقليل الضغوط على المنظومة الكهربائية في محافظات الجنوب، خصوصًا محافظة البصرة والمناطق المحيطة بقضاء الزبير.
ويظهر مشروع طوبة تحولًا استراتيجيًا في رؤية العراق لإدارة موارده النفطية، إذ لم يعد الهدف مقتصرًا على زيادة حجم الصادرات الخام، بل أصبح يتجه نحو تعظيم القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية عبر التصنيع المحلي وخلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد الإقليمي.
كذلك من المتوقع أن يوفر المشروع آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن دعم سلاسل التجهيز والخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة والصناعة الثقيلة.








