يشهد الموروث الرمضاني في العراق اختباراً جديداً مع تسارع التحولات الاجتماعية والرقمية، إذ تتقاطع طقوس المساجد والمحيبس والماجينة مع أنماط استهلاك حديثة وخيم رمضانية مستوردة، في مشهد يعكس صراع البقاء بين الذاكرة الشعبية وإيقاع العصر.
مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، تنفض المدن العراقية غبار الركود لتستقبل الشهر الكريم بحلّة تمزج بين القداسة الروحية والبهجة الشعبية. في بغداد، لم تعد الاستعدادات تقتصر على تنظيف المساجد، بل امتدت لتشمل حملات واسعة تقودها أمانة العاصمة لتزيين الشوارع ونصب الإضاءات الملونة في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والمداخل الرئيسية.
هذا الاستنفار الخدمي يقابله استنفار اجتماعي في الأسواق والمنازل، حيث يبحث العراقيون وسط ضجيج الحداثة عن بقايا موروث تشكّل عبر مئات السنين، موروث صمد أمام الحروب والحصار، لكنه اليوم يواجه تحدياً من نوع آخر: “الحداثة الرقمية” وتغير أنماط الحياة.
رمضان في العراق ليس مجرد شهر عبادة، بل فضاءً اجتماعياً وثقافياً تشكّل عبر قرون طويلة، وتداخلت فيه عناصر الدين والعادات الشعبية والهوية المحلية. وخلال المئة عام الأخيرة على وجه الخصوص، تبلورت طقوس وعادات باتت جزءًا من الذاكرة الجمعية، بعضها ما يزال حيًا، وبعضها الآخر تراجع أو اندثر.
ثلاثية الموروث الكلاسيكي: العبادة، المائدة، والليل
تاريخياً، ارتبط رمضان في الذاكرة العراقية بثلاث دوائر متداخلة شكلت الهوية الرمضانية للبلاد. الدائرة الأولى هي “العبادات الجماعية”، حيث تتحول المساجد والعتبات المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية إلى مراكز جذب لا تنام، تشهد ختمات القرآن والمجالس الدينية التي تمزج بين الوعظ والشعر.
أما الدائرة الثانية فهي “المائدة العراقية”، التي حافظت على هيكليتها رغم تقلبات الزمن. يبدأ الإفطار بقدسية “التمرة” وشربة اللبن البارد وحساء العدس الذي لا تغيب رائحته عن زقاق عراقي.
ثم تأتي الأطباق الرئيسية التي تعكس ثراء المطبخ الرافديني: من “التشريب” ومرق البامية والفاصوليا، وصولاً إلى ملوك المائدة مثل “الدولمة” و”القوزي” و”الكبة الموصلية”.
كذلك للحلوى العراقية نصيب الأسد، حيث تزدحم محال “الزلابية والبقلاوة” بطوابير المنتظرين، في طقس غذائي يرفض الاندثار.
الدائرة الثالثة هي “الحياة الليلية”، حيث يتحول ليل رمضان إلى نهار ثانٍ. هنا تبرز لعبة “المحيبس” الشهيرة، التي ليست مجرد لعبة، بل هي تظاهرة اجتماعية تجمع أبناء المحلات المتنافسة في المقاهي الشعبية، وسط أهازيج ومقام عراقي أصيل، وصفتها تقارير قديمة بأنها “روح الليالي البغدادية”.
جذور تمتد لآلاف السنين
يؤكد الكاتب المختص في الأدب والموروث الشعبي، عادل العرداوي، أن رمضان العراق ليس مجرد طقوس دينية مستحدثة، بل هو امتداد لحضارات سادت أرض الرافدين. الفلكلور الرمضاني، من أمثال شعبية وأغانٍ وأكلات، يمثل حلقة في سلسلة تاريخية طويلة.
ويشدد العرداوي على ضرورة إدراج هذه الموروثات ضمن المناهج الأكاديمية والدراسات الأولية، محذراً من أن ضياع هذه التفاصيل يعني فقدان جزء من الهوية الوطنية. فالمسحراتي أو “أبو الطبل” الذي يجوب الأزقة، لم يكن مجرد منبه للسحور، بل كان ضابط إيقاع للحياة الاجتماعية في الحي الواحد.
سنوات الرماد: كيف أعاد الحصار صياغة رمضان؟
لا يمكن قراءة واقع رمضان اليوم دون العودة إلى حقبة الثمانينيات والتسعينيات.
فالحروب والحصار الخانق أحدثا شرخاً في ممارسات الكرم العراقي، وتقلصت الموائد الفارهة، وتراجعت قدرة الأسر على تجهيز الأصناف المتعددة، لكن “روح التضامن” هي التي صمدت.
ظهرت في تلك الفترة “موائد الرحمن” أمام المساجد والحسينيات بشكل أوسع، وتكرس تقليد توزيع وجبات الإفطار بين الجيران (النقصة)، وهو امتداد لموروث إطعام الطعام الموجود في عاشوراء والأربعينية.
الأمن المفقود في تلك الفترات قلل من حركة المسحراتي وأغلق بعض المقاهي مبكراً، لكن العراقيين كسروا الحصار بجمعات عائلية داخل البيوت، محولين الحرمان إلى فرصة للتقارب الأسري.
هذه الأجواء تكشف استمرار مركزية العائلة في المشهد الرمضاني العراقي، رغم التحولات الاجتماعية.
فما يزال الإفطار الجماعي داخل البيت، بحضور الأبناء والأقارب، حجر الزاوية في التجربة الرمضانية.
رمضان ما بعد 2003: بين التراث و”الخيمة الرمضانية”
بعد سقوط النظام البائد وانفتاح العراق على المحيط العربي والعالمي، دخلت أشكال جديدة من الاستهلاك الرمضاني.
فقد ظهرت “الخيم الرمضانية” في الفنادق والمطاعم الكبرى، وهي فكرة مستوردة استهوت الطبقات الوسطى والناشئة، حيث تقدم الوجبات مع موسيقى حية وفقرات فنية.
في المقابل، شهدت المناطق التراثية مثل “شارع المتنبي” ومنطقة “الكاظمية” والأسواق القديمة في الموصل والبصرة، عودة قوية للحياة الليلية الثقافية.
أمسيات شعرية، عروض موسيقية، ومسابقات ثقافية دمجت الموروث الديني بحركية حضرية حديثة.
كما أصبح التلفاز والفضائيات والدراما الرمضانية شريكاً ثالثاً في سهرة الإفطار، مما أثر نسبياً على الزيارات العائلية المباشرة التي كانت هي المحرك الأساسي للشهر.
بقاء “الماجينة” و”الكركيعان”: فرحة الأطفال الصامدة
في جنوب العراق، وتحديداً في البصرة، ما زال تقليد “الماجينة” أو “الكركيعان” يقاوم الاندثار.
أطفال يجوبون الأزقة بملابسهم التقليدية، يرددون أهازيج شعبية ويطرقون الأبواب لجمع الحلويات والنقود.
وهذا التقليد، رغم تأثره بالظروف الأمنية في سنوات العنف الطائفي، عاد بقوة في السنوات الأخيرة كرمز للتمسك بالفرح الشعبي العراقي الخالص.
في العقد الأخير، ومع الاستقرار الأمني النسبي، حافظت الأحياء الشعبية على “المسحراتي”، لكن وظيفته تغيرت.
فمع الهواتف الذكية والمنبهات الرقمية، لم يعد الناس بحاجة لمن يوقظهم، فصار “أبو الطبل” شخصية فلكلورية تجلب البهجة للأطفال وتستذكر الزمن الجميل، وأصبحت مهنته تعتمد على العطايا والهبات في نهاية الشهر أكثر من كونها ضرورة تنظيمية لوقت السحور.
أما “المحيبس”، فقد انتقلت من المقاهي الصغيرة إلى شاشات التلفاز، حيث تنظم لها بطولات رسمية ترعاها جهات حكومية أو تجارية، مما أفقدها بعضاً من “عفويتها” الشعبية لكنه ضمن لها البقاء والاستمرار كرياضة تراثية وطنية تجذب آلاف المتابعين.
ورغم تقلص المساحات العامة وتغيّر نمط الحياة، لا تزال المحيبس حاضرة، وإن بدرجة أقل، خصوصًا في الأحياء الشعبية وبعض المحافظات.








