إعلام المواطن يطرح اليوم سؤالًا جوهريًا حول موقعه في المنظومة الإعلامية: هل هو رافد حيوي يعزز وصول الخبر ويكسر الاحتكار، أم عبء إضافي يثقل كاهل غرف الأخبار بعمليات تدقيق مضاعفة، في ظل غياب الضوابط المهنية وسرعة النشر غير المحسوبة؟
وعلى الرغم من الجانب الإيجابي لهذه الاسهامة التي حولت المواطن إلى فاعل مشارك في عملية الوصول إلى الخبر والصورة الحية، إلا أن ملايين الصور والتعليقات اليومية تلقي العبء الكبير على وسائل الإعلام والصحف الرسمية التي ترى في هذا التزاحم نوعاً إضافياً من الجهد لغربلة الحقيقة عدة مرات.
فسرعة الخبر لا تعني حقيقته بالضرورة، ثم أن التعليق على ظاهرة لا يعني ارتباط الصورة بالصوت حتمياً.
في ضوء امتلاك المواطن وسائطه الخاصة في رصد وصناعة الخبر، هل يمكن عدّ المواطن مصدراً ورافداً وشريكاً في تلقي الخبر، أم أن نسبة المشاركة هذه تعد عبئاً على المؤسسة الإعلامية الرسمية، حيث إن عدم التثبت والعجالة يسهمان في إثارة الفوضى أكثر من إيصال الحقيقة؟
جدلية معقدة
الدكتورة ثائرة أكرم ترى في هذه الظاهرة مادة قابلة للتفصيل وتناول جوانبها المتعددة أولاً، تقول في ذلك:
“تطرح هذه المسألة جدلية معقدة في عالم الإعلام الحديث، حيث تحول المواطن من مجرد مستهلك سلبي إلى منتج فاعل. الحقيقة أن هذه المشاركة ليست أبيض أو أسود، بل هي علاقة ذات حدين يمكن تفصيلها:
أولاً: المواطن كشريك ورافد، الجانب الإيجابي، إذ لا يمكن للمؤسسات الإعلامية الرسمية، مهما بلغت قوتها، أن تكون في كل شارع ومنزل، هنا تبرز أهمية صحافة المواطن، السرعة والآنية. المواطن غالباً ما يكون أول من يوثق الحدث، كوارث طبيعية، حوادث مفاجئة، قبل وصول سيارات البث، وأيضاً كسر الاحتكار، حيث وفرت منصات التواصل صوتاً للفئات المهمشة وسمحت بتدفق المعلومات من زوايا قد تتجاهلها الأجندات الرسمية.
وهناك أيضاً إثراء المحتوى، فالتقارير الميدانية العفوية تمنح الخبر صبغة إنسانية وواقعية تفتقر إليها التقارير المعلبة.
فوضى الجانب السلبي
على الجانب الآخر – تضيف د. ثائرة – تفرض هذه المشاركة تحديات جسيمة على المؤسسة الإعلامية والمجتمع، ومنها أزمة الثقة والتحقق، حيث تضطر المؤسسات الرسمية لاستثمار جهد ووقت هائلين لفرز الغث من السمين والتأكد من عدم تزييف الصور أو الفيديوهات، وغياب المسؤولية الأخلاقية، فالمواطن غالباً ما يفتقر إلى التدريب القانوني والأخلاقي، ما يؤدي إلى انتهاك الخصوصية أو نشر صور صادمة دون مراعاة للمشاعر، وإثارة الذعر، والعجالة في النشر دون سياق تؤدي إلى خلق بروباغندا مجانية أو إشاعات قد تهدد الأمن السلمي.
عبء أم شراكة
وحول جدوى الشراكة في صناعة الخبر بين المواطن والمؤسسة، تجيب د. ثائرة أكرم: الإجابة تكمن في طريقة الإدارة. لا يمكن اعتبار المواطن عبئاً إلا إذا فشلت المؤسسة الإعلامية في مواكبة التقنية وتطوير أدوات التحقق. المواطن هو مستشعر يحدد مكان الحدث، والمؤسسة هي المصفاة، تقوم بالتحليل والتدقيق ووضع الخبر في سياقه الصحيح. اليوم الواقع يقول إن المشاركة لم تعد خياراً بل هي واقع مفروض، والنجاح يكمن في تحويل هذا العبء إلى قيمة مضافة عبر تعزيز الوعي الرقمي لدى الجمهور ورفع كفاءة غرف الأخبار في الفلترة.
من التلقي السلبي إلى الإرسال
الباحث الأكاديمي د. عدالت عبد الله، من جانبه، ينظر إلى طرفي هذه الظاهرة ويحلل دور كل طرف بقوله:
إن “أحد الأسماء التي تطلق على ظاهرة الإعلام الجديد هي إعلام المواطن، بمعنى أننا نعيش في عصر مختلف جداً، ولم يعد المواطن هو الكائن السلبي الذي يتلقى الأخبار وتدفق المعلومات وتلقي الآراء والأفكار التي يتم نقلها من طريق وسائل الإعلام أو الإعلام الجديد دون أن يكون له أي دور، بمعنى أنه مجرد متلقٍ”.
ثم يضيف إن “هذا المفهوم قد انتهى في الحقيقة، والآن نحن نعيش في عصر، تقريباً منذ ثلاثة عقود، تتمثل هذه المرحلة أو هذه الحقبة في عودة دور كبير للمواطن المتلقي وتحوله من كائن متلقٍ إلى كائن مرسل في عالم الاتصال وعالم الإعلام، وخاصة أننا نعلم أن خدمات الإنترنت وفرت لكل مواطن، أو لكل من يكون مستخدماً لهذه الشبكات أو لهذه التكنولوجيا التي هي في خدمة البشرية، أن يصبح كائناً منتجاً وفعالاً بإمكانه أن يقدم محتويات ويرسل رسائل وينقل أفكاراً ويبث معلومات عبر منصات شبكات التواصل الاجتماعي وعبر الصفحات أو الحسابات الخاصة به”.
مبينا إن “المواطن يمكن أن يكون مصدراً من مصادر المعلومات، خاصة إذا كانت المعلومات التي ينقلها موثقة وعبر التصوير الحي، تصوير الفيديو أو صور فوتوغرافية حقيقية دون أي محاولة لتضليل الواقع الذي يتم رصده من قبل المواطن عبر الموبايل أو ما يسمى بالهواتف الذكية”.
مصادر المعلومات
لكنه يشير إلى إن “المواطن أصبح مصدراً من مصادر المعلومات، لكن مدى التعامل معه كأحد مصادر المعلومات يتوقف على القنوات الإعلامية بجميع وسائلها، المرئية والمسموعة والمكتوبة والمطبوعة، وهذا بحاجة إلى وعي تقني قبل كل شيء لكي يمكن فلترة أي معلومة أو أي فيديو يتم نشره من قبل المواطن، وبالتالي عدم الوقوع في أخطاء، خاصة في ظاهرة ما يسمى بـ(فايك نيوز)، أي الأخبار الكاذبة وغير الصحيحة”.
كما تعقب الأكاديمية سلافة علي الحسن على ذات الظاهرة بشقيها بقولها: “برأيي، ووفقاً لما توصلت إليه من خلال مقابلات الخبراء في رسالتي الأكاديمية، المواطن اليوم يمكن عدّه مصدراً مهماً ورافداً للخبر، لكنه لا يكون شريكاً كاملاً إلا داخل إطار مهني واضح. المشكلة ليست في مشاركة المواطن نفسها، بل في غياب التحقق والعجالة التي قد تحول المحتوى من أداة كشف للحقيقة إلى عامل فوضى. لذلك تبقى المؤسسة الإعلامية مسؤولة عن أداء دور حارس البوابة من طريق التدقيق والتحرير قبل النشر، وبذلك تتحول صحافة المواطن من عبء محتمل إلى قيمة مضافة للعمل الصحفي“.








