المكتبة الوطنية الرقمية تمثل إحدى أبرز مبادرات التحول الرقمي الحكومي، إذ تجمع بين حفظ التراث المعرفي العراقي، وإتاحة مصادر العلم، وتحديث البنية المؤسسية لإدارة المعرفة.
في لحظة تتسارع فيها التحولات الرقمية عالمياً، وتعاد فيها صياغة علاقة الإنسان بالمعرفة، تبرز المكتبة الوطنية الرقمية في العراق بوصفها مشروعاً سيادياً يعكس وعياً مؤسسياً بقيمة العلم ودوره في بناء الدولة الحديثة.
فهذا المشروع لا يختزل في كونه منصة إلكترونية أو مبنى حديث، بل يمثل رؤية وطنية شاملة لحفظ الذاكرة الفكرية، وصون التراث المعرفي، وفتح آفاق جديدة أمام البحث العلمي، بما ينسجم مع مسار التحول الرقمي الذي تتبناه الدولة العراقية في مرحلتها الراهنة.
مشروع وطني في قلب التحول الرقمي الحكومي
تعد المكتبة الوطنية الرقمية إحدى أبرز المبادرات المعرفية التي أطلقتها وزارة الثقافة والسياحة والآثار، ضمن سياق وطني أوسع يستهدف الانتقال بالعراق إلى فضاء الدولة الرقمية.
وفي هذا الإطار، أوضح مدير عام دار المخطوطات العراقية والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، أحمد كريم العلياوي، أن هذا المشروع يصنّف بوصفه واحداً من المشاريع الرئيسة للوزارة، ويأتي انسجاماً مع مفردات المنهاج الحكومي الذي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والذي يضع التحول الرقمي في صميم أولوياته بوصفه ركيزة للتنمية المستدامة وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
وأشار العلياوي إلى أن العمل على المشروع لم يكن وليد اللحظة، بل انطلق منذ عدة سنوات، حيث باشرت الوزارة بتهيئة البنية التحتية اللازمة، بدءاً من إنشاء مبنى متكامل خصص للمكتبة الوطنية الرقمية، مروراً بتجهيزه بأحدث الأجهزة والتقنيات المتطورة، وصولاً إلى افتتاحه رسمياً بعد استكمال جميع المتطلبات الفنية والإدارية.
ويعكس هذا المسار الزمني حسب العلياوي، حجم الجهد المؤسسي المبذول والرؤية طويلة الأمد التي حكمت تنفيذ المشروع.
من الورق إلى الفضاء الرقمي.. نقلة نوعية في إدارة المعرفة
يمثل الانتقال من الكتاب الورقي إلى المحتوى الرقمي أحد أبرز ملامح التحول الذي تجسده المكتبة الوطنية الرقمية.
وحسب العلياوي، فإن المشروع لا يقتصر على رقمنة الكتب فحسب، بل يتجاوز ذلك ليؤسس لمنظومة معرفية متكاملة تضم الكتاب المسموع والمرئي، وتوفر فضاءات متعددة للتفاعل مع المعرفة. إذ يحتوي المبنى على قاعات مطالعة صوتية ومرئية، وقاعات سينمائية، فضلاً عن قاعة كبرى مخصصة للمناسبات الثقافية والاحتفالات والأنشطة المعرفية.
ويكتسب هذا التحول أهميته من كونه يعيد تعريف مفهوم المكتبة في الوعي العام، من كونها مكاناً تقليدياً لحفظ الكتب، إلى فضاء ديناميكي لإنتاج المعرفة وتداولها.
ثم أن وجود فريق متخصص في إدارة نظم المعلومات، يتمتع بتدريب عالٍ وكفاءة تقنية، يعزز من قدرة المكتبة على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا المجال، لاسيما في ظل عمليات التحسين المستمرة للأداء، وتطوير المهارات والقدرات التقنية للعاملين.
ريادة عراقية وإشعاع إقليمي في حفظ المعرفة
لا يقتصر طموح المكتبة الوطنية الرقمية على تلبية الاحتياجات المحلية فحسب، بل تمتد رؤيتها لتجعل منها مشروعاً ريادياً على مستوى العراق والمنطقة العربية والشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، شدد العلياوي على أن المكتبة تعد من المشاريع الريادية الكبرى، لكونها مكتبة رقمية شاملة تتيح خدماتها للباحثين داخل العراق وخارجه، وتؤدي دور الحاضن الآمن للكتاب والوثيقة، بما يضمن انتقال المعرفة للأجيال القادمة.
وتكمن أهمية هذا الدور في كونه يعزز حضور العراق في المشهد الثقافي والمعرفي الإقليمي، ويعيد الاعتبار لدوره التاريخي بوصفه مركزاً للإشعاع العلمي والفكري. فالمكتبة، بوصفها خازناً للذاكرة الوطنية، لا تحفظ الماضي فحسب، بل تتيح إعادة قراءته وتحليله وتوظيفه في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.
إتاحة مفتوحة وحماية عالية للبيانات والوثائق
تتبع المكتبة الوطنية الرقمية إدارياً لدار الكتب والوثائق، وتقع ضمن مجمعها في منطقة باب المعظم، وقد تقرر فتح أبوابها أمام الباحثين والمثقفين والمهتمين خلال أوقات الدوام الرسمي، فيما يتاح المحتوى الرقمي عبر شبكة الإنترنت على مدار الساعة، بما يضمن وصولاً مرناً ومستمراً إلى مصادر المعرفة.
وفي جانب الحماية والأمن المعلوماتي، أوضح العلياوي أن الوزارة اتخذت مجموعة من الإجراءات الصارمة لحفظ النظام وإدارة المعلومات، من خلال إنشاء نسخ احتياطية متعددة للبيانات، تشمل نسخاً سحابية محلية، وأخرى محفوظة خارج المبنى، في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى حماية الكتب والوثائق من أي مخاطر محتملة، سواء كانت تقنية أو بيئية.








