التحول الرقمي لم يعد خيارًا تقنيًا في القطاع المصرفي، بل رهانًا مصيريًا على المستقبل؛ فبين ضغط السيولة النقدية وتوقعات عملاء يعيشون في عالم رقمي، تتجه البنوك العراقية نحو إعادة تعريف دورها، من مؤسسات تقليدية إلى خدمات مالية ذكية قادرة على المنافسة، والشمول، وخلق قيمة حقيقية في اقتصاد سريع التحول.
حث مختصون في الشأن الاقتصادي، على ضرورة مضاعفة جهود التحول الرقمي في التعاملات المصرفية، مؤكدين أن تلك الخطوة كفيلة بإحداث حزمة نتائج إيجابية، بضمنها امتصاص السيولة النقدية والقضاء على الروتين، فضلا عن تعزيز الشمول المالي، ومواكبة المنافسة العالمية.
كما يشكل التحول الرقمي في التعاملات المصرفية، عاملاً أساسياً لتقديم خدمات مصرفية متكاملة دون الحاجة إلى اللقاء المباشر في كل عمليات البنوك، فضلاً عن دوره في خلق قيمة أكبر للعملاء وتحقيق أهداف استراتيجية للبنوك.
الخبير الاقتصادي، د. محمود داغر، يرى أن المرحلة الراهنة تتطلب انتقالا جاداً من الأساليب التقليدية إلى اعتماد صيغ تطبيقات مصرفية متقدمة تشمل جميع العمليات والخدمات دون استثناء، مؤكداً أنه لم يعد من المجدي الاستمرار بالعمل على الأنظمة المصرفية الحالية (Core Banking ) بصيغها القديمة، بل من الضروري استكمالها والانتقال إلى أنظمة أحدث من فئة “Tier One” القادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في القطاع المصرفي.
خدمات مصرفية متكاملة
ثم أضاف داغر، أن هذا التحول يحتاج إلى موارد بشرية كفوءة تمتلك الخبرة الفنية والقدرة على إدارة الأنظمة والتطبيقات وتشغيلها بكفاءة عالية،د.
كما أشار إلى أن تحقيق هذه المتطلبات سيفتح المجال أمام تقديم خدمات مصرفية متكاملة دون الحاجة إلى اللقاء المباشر، بما ينسجم مع طبيعة المنتجات المصرفية الحديثة، سواء الإسلامية أو التقليدية، التي تدار اليوم عبر الهاتف المحمول أو الحاسوب، ويسهم في تحسين جودة الخدمات وتعزيز ثقة المتعاملين بالقطاع المصرفي.
أركان أساسية للتحول
بدوره، تساءل الخبير بالشؤون المصرفية، د. نبيل رحيم العبادي، إن كان تحديث الأنظمة التقليدية كافياَ لصناعة مستقبل مالي حقيقي، مبيناً أن البنوك وجدت نفسها، فجأة، في سباق مع الزمن، ومع توقعات عملاء تحولت حياتهم إلى رقمية بالكامل.
ويجيب العبادي عن تساؤله، بأن الترقيات التقنية وحدها لن تصنع معجزة، مشيراً إلى أن ما نحتاجه في هذا المنعطف الدقيق يتمثل في ثلاثة أركان أساسية.
وأوضح أن ما تحتاجه البنوك، هو بنية تحتية ذكية وليست إلكترونية فحسب، لافتاً إلى أن الهدف ليس مجرد رقمنة المعاملات الحالية، بل بناء أنظمة مرنة وقابلة للتشغيل البيني (Interoperability). وقادرة على محاكاة العميل وفهم سلوكه، وتقديم حلول مالية استباقية، والتكامل بسلاسة مع منظومة الاقتصاد الرقمي الأوسع (من التجارة الإلكترونية إلى المدن الذكية). فضلاً عن الاستثمار في البنى التحتية السحابية الآمنة (Cloud) ونظم البيانات الضخمة (Big Data) وتحليلها هو عصب هذه المرحلة.
إعادة تأهيل الملاكات
ثم أضاف الخبير، أن الركن الثاني هو وجود عقلية رقمية قبل التطبيقات الرقمية، موضحاً أن أكبر تحدٍ هو الثقافة المؤسسية والشؤون البشرية، إذ يحتاج الجهاز المصرفي إلى جيل جديد من القيادات يفكر كشركات التكنولوجيا الناشئة (Tech-First)، وإلى برامج تطوير جذرية لإعادة تأهيل الملاكات الحالية، فالتحول هو تحول في الفكر والسلوك التنظيمي، وليس في الشفرة البرمجية وحدها.
كما حدد الخبير بالشؤون المصرفية، الركن الثالث بأنه مرتهن بتوفر الإطار التشريعي والتنسيق الوطني، مؤكداً أنه لا يمكن للبنك أن يتحول في جزيرة منعزلة، إذ نحتاج إلى تشريعات مرنة وسريعة التطوير تنظم المدفوعات الرقمية، والبيانات المالية، والأمن السيبراني، وتواكب الابتكارات مثل البنوك المفتوحة (Open Banking)، ثم أن التنسيق بين البنك المركزي والجهات الحكومية الأخرى (كالضرائب والتجارة) هو شرط حاسم لكسر الحواجز وخلق تجربة موحدة للمواطن.
الخيار.. قفزة كبيرة
وقال العبادي: إن الطريق ليس ترقية أنظمة قديمة، بل هو إعادة تصميم جذرية للقيمة المقدمة، مشدداً على أن البنوك التي ستنجو وتزدهر هي التي تفهم أنها تتحول من كونها مكاناً تذهب إليه، إلى كونها خدمة متاحة في كل مكان، في كل وقت، وبطريقة شخصية. هذا هو جوهر التحول الذي ننتظره. الوقت لا يرحم، والخيار الوحيد هو القفزة الكبيرة، وليس الخطوات الصغيرة.
تحولات متسارعة
يشار إلى أن العراق يشهد تحولاً رقمياً متسارعاً في القطاع المصرفي يقوده البنك المركزي، بهدف تعزيز الشمول المالي وتقليل الاعتماد على النقد عبر إطلاق مشاريع كمنظومة المدفوعات الفورية والبطاقات المحلية، وإنشاء بنوك رقمية جديدة، وتطوير البنية التحتية، مع التركيز على الأمن السيبراني ورفع الوعي المجتمعي لمواجهة تحديات التكنولوجيا المالية المتنامية لتحقيق اقتصاد أكثر شفافية وكفاءة.








