تنظيم داعش لم يعد مجرد ذكرى من زمن الحرب المفتوحة، بل خطر كامن أعادت الضربات الجوية الأميركية في البادية السورية إخراجه إلى الواجهة، مؤكدة أن التنظيم ما زال يتحرك بهدوء في فراغات الأمن والسياسة، وأن معركة القضاء عليه لم تحسم بعد، بل دخلت طورًا أكثر تعقيدًا يربط أمن سوريا مباشرة بحدود العراق واستقراره.
في توقيت بالغ الحساسية، أعادت الضربات الجوية الأميركية الواسعة التي أمر بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد مواقع تنظيم داعش في البادية السورية، فتح ملف التنظيم الإرهابي الذي حاول خلال السنوات الأخيرة الظهور بمظهر “الخطر المنتهي”.
هذه الضربات، التي جاءت رداً على كمين أودى بحياة جنديين أميركيين ومترجم، حملت رسائل تتجاوز منطق الرد العسكري المباشر، لتؤكد أن الحرب على داعش ما تزال مفتوحة، وإن تغيرت أدواتها وأشكالها، وأن العراق ليس ببعيد عن ارتدادات الخطر.
ضربة تتجاوز الرد الانتقامي
الباحث السياسي غازي الفيصل، يرى أن “ما جرى لا يمكن توصيفه كعمل انتقامي فقط، بل هو جزء من استراتيجية مستمرة ضمن إطار الحرب الدولية على الإرهاب”.
ويؤكد الفيصل أن “الولايات المتحدة، بوصفها لاعباً رئيسياً في التحالف الدولي، ما تزال تنظر إلى داعش كخطر فعلي لم ينتهِ، خصوصاً في ظل محاولات التنظيم إعادة التموضع مستفيداً من الفراغات الأمنية والسياسية التي أعقبت سقوط نظام الأسد القمعي”.
ويضيف أن “التنظيم حاول استثمار هذا الفراغ، وهو ما انعكس عبر مؤشرات مقلقة لعودة نشاطه، سواء من خلال استهداف دور عبادة، أو شن هجمات ضد قوات دولية، أو التحرك داخل مناطق البادية السورية الممتدة نحو العمق العراقي”.
البادية.. مسرح العودة الصامتة
وحسب الفيصل، فإن “الطبيعة الجغرافية الوعرة للبادية السورية شكلت بيئة مثالية لتحركات داعش، حيث تعتمد خلاياه على مراكز قيادة متنقلة، وخطوط إمداد مرنة، ما يصعب رصدها بوسائل تقليدية”.
من هنا، جاءت الضربات الأميركية لتستهدف مراكز القيادة والسيطرة والبؤر المتحركة، في محاولة لقطع الطريق أمام أي إعادة بناء لقدرات التنظيم أو منحه هامش مناورة جديد.
تنظيم بلا حدود
كما يشدد على أن الخطر الحقيقي لداعش اليوم لا يكمن في سيطرته على الأرض، بل في طبيعته اللامركزية. فالتنظيم لم يعد محصوراً في سوريا أو العراق، بل يمتلك امتدادات في أفريقيا وآسيا، ويتحرك وفق منطق الشبكات والخلايا والذئاب المنفردة.
ورغم انهيار ما كان يسمى بـ”دولة الخلافة” عام 2017، إلا أن التنظيم لا يزال قادراً على تنفيذ عمليات صادمة تربك المجتمعات وتزعزع الاستقرار.
الحرب المركبة على الإرهاب
ويرى الفيصل أن الضربات الجوية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لحسم المعركة. فالحرب على داعش، كما يصفها، حرب مركبة تجمع بين البعد العسكري والأمني والفكري. ولا يمكن القضاء على التنظيم دون تجفيف منابعه الفكرية، ومواجهة خطاب التكفير والتطرف الذي يستغل النصوص الدينية لتبرير العنف والقتل وتدمير المجتمعات.
ويضيف أن التجربة الأوروبية أثبتت أن تفكيك البيئة الحاضنة للتطرف كان عاملاً حاسماً في تقليص خطر داعش، وهو ما تحتاجه المنطقة اليوم بشكل أكثر إلحاحاً.
سوريا والعراق.. أمن مترابط
في سياق متصل، أعلنت قيادة العمليات المشتركة في العراق، وجود تنسيق عالٍ مع الجانب السوري لمنع تسلل الإرهابيين. فاستقرار الساحة السورية، حسب المعطيات الأمنية العراقية، ينعكس بشكل مباشر على الأمن الوطني العراقي، لا سيما على طول الحدود الممتدة لنحو 615 كيلومتراً.
وفي هذا الصدد، يؤكد الفيصل أن تعزيز الشراكات الميدانية الفاعلة، مثل الشراكة مع قوات سوريا الديمقراطية، يبقى خياراً واقعياً في المرحلة الحالية، إلى أن تتشكل منظومة أمنية سورية وطنية جامعة قادرة على إدارة هذا الملف بكفاءة.
الحرب لم تنتهِ
يخلص الفيصل إلى أن الحرب على داعش لم تنتهِ بعد، لكنها اليوم أكثر وضوحاً في أدواتها وأهدافها. فالرهان لم يعد على إسقاط “دولة” وهمية، بل على منع عودة التنظيم، وحماية المجتمعات، وبناء استقرار حقيقي يقوم على الأمن والعدالة والوعي، في منطقة لا تحتمل موجة جديدة من الفوضى والإرهاب.








