الهدر المائي يتخفى خلف مشاهد تبدو بسيطة كغسيل السيارات في الشوارع، لكنه يخلّف أثراً عميقاً في تدهور الشبكات، وظهور حفر في الطرق، وإهدار آلاف الأمتار المكعبة شهرياً، ما يجعل الأزمة المائية أكثر حدة وتكلفة على الدولة والمجتمع.
على امتداد الطرقات السريعة وفي بعض الأزقة الداخلية، تتكرر مشاهد شبان يباشرون تكسير الأنابيب الرديفة أو حفر الأرض بحثاً عن مصدر ماء، ليحوِّلوا الشارع إلى ما يشبه محطة غسيل سيارات بدائية.
تتدفق المياه بكميات كبيرة دون رقابة، وتختلط بالأتربة والزيوت، قبل أن تتسرب إلى المجاري أو تظل راكدة على الإسفلت. هذه السلوكيات باتت، بحسب سكان كثيرين، “مظهراً صارخاً من الإهمال”، خاصة أنها تجري في ظل أزمة شحّ مياه تشهدها محافظات عدة، بعضها لا يصلها الماء إلا مرة واحدة كل عشرة أيام.
بالقرب من المفترقات الرئيسة، ينتشر عدد من الشبان يحملون خراطيم ومضخات بدائية، يوقفون سائقي المركبات، عارضين خدمة الغسيل بسعر رمزي، وما إن يوافق السائق، حتى يبدأ العمل؛ كسرٌ بسيط للطبقة العلوية من الأرض يكشف عن أنبوب مكسور سابقاً، أو يقومون هم أنفسهم بكسره، لتتفجّر المياه في مشهد يبدو عشوائياً لكنه مقصود. يقول أبو أحمد، وهو أحد السائقين الذين يمرون يومياً: “باتت تلك المشاهد تتكرر كثيراً، ما يستدعي رقابة مستمرة وفرضاً للغرامات”.
من جانبه، أشار السائق رعد عباس إلى أن الظاهرة تنتشر في المناطق التي تفتقر إلى نقاط نظامية لغسيل السيارات، أو حيث تغيب خدمات البلدية، مضيفاً: “لكن غياب الرقابة يجعل الوضع أكثر تعقيداً، إذ لا توجد فرق متابعة تمنع التجاوز أو تعاقب المخالفين”.
هدرٌ وسط أزمة
يقول علي عبد الله، موظف سابق في مديرية الماء، إلى أن هذه الظاهرة تمثل تهديداً حقيقياً للشبكة المائية، مؤكداً: “كل نقطة ماء تخرج بهذه الطريقة تسجّل كفاقد مائي، ومع تكرار الحالات نخسر آلاف الأمتار المكعبة شهرياً”.
ولفت عبد الله إلى أن تكرار كسر الأنابيب يضعف الضغط في الشبكة، ويزيد من احتمالات تسرّب الملوثات، إضافة إلى الأضرار المالية التي تتحملها الدولة لإصلاح الأعطال.
وأوضح أن الضرر لا يقتصر على هدر الماء فقط؛ فعمليات الحفر العشوائي تترك الشوارع محفّرة، ما يزيد من مشكلات البنية التحتية، ويعرّض السيارات والمارة للخطر، كما أن انفجار المياه تحت التربة يؤدي إلى هبوط الأسفلت وظهور الحفر خلال أسابيع قليلة.
لافتاً إلى أن معالجة الظاهرة تتطلب خطة متكاملة تشمل توفير محطات غسيل مرخّصة بأسعار تنافسية، وتفعيل دور الجهات الرقابية لمنع التعدي على الأنابيب، وإطلاق حملات توعية بخطورة هدر المياه في ظل الشح الحالي، وإصلاح الشبكات المتهالكة ومراقبتها بشكل مستمر.
وفي محافظات أخرى تعاني من انقطاع شبه مستمر للماء، يثير هذا المشهد استياء السكان. تقول أم سيف من إحدى المحافظات الجنوبية: “نحن ننتظر سيارة الماء حتى نملأ الخزان، وهناك من يكسر الأنبوب ويغسل السيارات”.
وفي السياق ذاته، يرى الحاج أبو حسين، أحد السكان المحليين، أن تلك الظاهرة تستحق الوقوف عندها بجدية، لما لها من تأثير مباشر في البنية التحتية، وفي المورد الأهم للحياة وهو الماء.
تحذيرات
إن هذا الملف يرتبط بجانبين أساسيين، أولهما الجانب الحكومي، حسب ما أكده خبير الزراعة والموارد المائية تحسين الموسوي، مشيراً إلى تقرير البنك الدولي لعام 2022، الذي أكد أن نحو 70 في المئة من مياه الإسالة والاستخدامات البشرية تفقد بسبب تدهور البنى التحتية وازدياد الضغط السكاني، وهو ما تتحمل مسؤوليته المؤسسات الحكومية.
وأوضح الموسوي أن وزارة الموارد المائية جهة فنية يقتصر دورها على إيصال المياه الخام، بينما تتحمل أمانة بغداد مسؤولية الخدمات داخل العاصمة، فيما تتولى البلديات المهمة ذاتها في المحافظات، كونها الجهة المعنية بالاستخدامات البشرية للمياه.
وأضاف أن انتشار الممارسات غير الصحيحة في استخدام المياه، مثل غسيل السيارات في المحال والطرقات أو سوء استهلاك بعض المواطنين، يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الوعي وثقافة المياه، إضافة إلى غياب الرسائل الإرشادية وغياب الرقابة الفاعلة، رغم أن العراق يمر بأزمة مائية حادة ورغم التحذيرات المتكررة من تفاقمها.
وأشار الموسوي إلى أن أحد الحلول الضرورية للحد من الهدر كان يفترض أن يتمثل في إقرار نظام تعرفة مائية عادل يراعي أصحاب الدخل المحدود، إلا أن المشروع الذي طرح في وزارة الموارد المائية لم يقرَّ ولم ينفذ، بسبب ضعف القوانين والإجراءات.
ويرى أن اعتماد هذه التعرفة من شأنه الحد من التبذير وضبط الاستخدامات. وتطرق الموسوي إلى تجربة إقليم كردستان في محطات غسل السيارات، حيث تُنشأ أحواض لإعادة تدوير المياه واستخدامها مجدداً، مبيناً أن هذه الفكرة يمكن تطبيقها أيضاً في المنازل، غير أن ذلك يصطدم بغياب الوعي الإرشادي وضعف المتابعة من الجهات المختصة.
وأكد الموسوي أن قضية المياه مسؤولية مركّبة تشمل أبعاداً قانونية وأخلاقية وشرعية، وتتطلب جهداً أوسع من وسائل الإعلام والمنتديات الثقافية والجهات الرسمية لإيصال الرسائل التوعوية.
وأشار إلى تحذيرات الأمم المتحدة التي دعت إلى إدخال ثقافة الاستخدام الرشيد للمياه ضمن المناهج التربوية، معتبراً أن تعزيز “ثقافة المياه” هو الأساس لمعالجة الأزمة.
قانون وعقوبات
إن تخريب الممتلكات العامة، سواء تعلّق الأمر بالأنابيب أو الطرق أو أي منشآت تعود للدولة، يعد من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بشدة، وفقاً للخبير القانوني علي التميمي. وأوضح أن المادة 197 من قانون العقوبات قد تصل بالعقوبة إلى السجن المؤبد، وقد تشدد في بعض الحالات لتصل إلى الإعدام، باعتبار أن الممتلكات العامة ملكٌ لجميع أفراد الشعب وليست لطرف واحد.
وأضاف التميمي أن القانون يتعامل بصرامة مع هذه الأفعال، وأن الأجهزة الرقابية والأمنية والاستخبارية تتحمل مسؤولية متابعة مثل هذه الحالات وتطبيق القانون.
وبيّن أن الهدف من العقوبة الجنائية هو تحقيق الردع وتحقيق العدالة الاجتماعية، مشيراً إلى أن الجرائم التي تستهدف الممتلكات العامة تمسّ أمن المجتمع واستقراره وخدماته. وختم بالقول: “من أمن العقاب أساء الأدب”.
غرامات
أصدرت أمانة بغداد مؤخراً قراراً يهدف إلى تنظيم استخدام المياه الصالحة للشرب والحفاظ على الثروة الوطنية. ووفقاً لذلك، يُمنع غسل السيارات في الشوارع العامة والشوارع الرئيسة، وسيتم تسجيل المخالفات من خلال توثيق رقم السيارة وإرسال بياناتها إلى مديرية المرور العامة، مع وضع قيد على العجلة المخالفة، بحسب ما أكده المتحدث الرسمي باسم أمانة بغداد عدي الجنديل.
وأضاف الجنديل أنه في حال مراجعة صاحب العجلة، يتم توجيه المخالف للأمانة لدفع غرامة مالية قدرها 500 ألف دينار، أما الذين يستخدمون عجلاتهم داخل منازلهم أو بالقرب منها، فلا يشملهم القرار.
وشدد الجنديل على أهمية ترشيد استهلاك المياه الصالحة للشرب بوصفها ثروة وطنية مهمة، والتي تكلف أمانة بغداد مبالغ كبيرة لإنتاجها، بينما الغرامة المفروضة على المواطن تعد قليلة مقارنة بتكلفة إنتاج المياه.
وأكد أن الأمانة ستستمر في الحملات التوعوية عبر وسائل الإعلام المختلفة، وبرامج قسم الوعي المجتمعي في بغداد، بهدف رفع مستوى وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على المياه المنتجة وتشجيع الاستخدام الرشيد لها.








