المنافسة العادلة كانت العنوان الأبرز لمداولات المؤتمر السنوي في بغداد، الذي جمع خبراء محليين ودوليين لمناقشة كيفية توظيف المنافسة في بناء سوق متوازنة، تدار بالكفاءة والشفافية بعيداً عن المصالح الفئوية والهيمنة الاحتكارية.
شكل المؤتمر السنوي الثاني لفعاليات مجلس المنافسة ومنع الاحتكار، الذي انطلقت أعماله يوم الخميس الماضي في بغداد، منصة حوارية رفيعة المستوى جمعت صناع القرار والباحثين والخبراء لمناقشة سبل تطوير بيئة تنافسية عادلة تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني وترسيخ مبادئ الشفافية والاستدامة.
المؤتمر الذي رعاه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ونظمه المجلس بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، شهد مشاركة واسعة من ممثلي الوزارات والهيئات الحكومية والاتحادات والنقابات المهنية والقطاع الخاص، إلى جانب نخبة من الأكاديميين والمنظمات الدولية المختصة بشؤون المنافسة.
انتقال الاقتصاد
وقال ممثل رئيس الوزراء المستشار، د. عبد الحسين العنبكي، في كلمته بالمؤتمر: إن الحكومة تولي اهتماماً كبيراً لموضوع المنافسة ومنع الاحتكار وفعَّلت القانون الخاص بهذا الأمر وبات له صدى كبير، لأهميته في انتقال الاقتصاد إلى مرحلة جديدة مهمة.
وأضاف العنبكي، أن الاحتكار يقود إلى تراجع الأداء ويؤثر سلباً في تطور واقع الأسواق، لافتاً إلى أن المنافسة تعمل على خفض الكلف، وكلما توجهنا نحو المنافسة العامة سوف نصل إلى مستويات أسعار حقيقية تبنى على العرض والطلب .
تعزيز واقع الإصلاح
أما رئيس مجلس شؤون المنافسة ومنع الاحتكار، د. أحمد يونس قاسم، فقد أوضح، أن تفعيل الحكومة لقانون 14 لسنة 2010 في عام 2023 حقق انتقالة داخل السوق المحلية، لا سيما أنه جاء ضمن البرنامج الحكومي حيث يعزز واقع الإصلاح الاقتصادي وتهيئة بيئة مثالية داخل سوق العمل المحلية.
ولفت إلى أن الانتقال إلى الاقتصاد الحر يتطلب سياسات رشيدة في وقت ترتبط فيه المنظومة الاقتصادية بالرقابة والمنافسة، مبيناً أن تطبيق القانون يسهم في دعم الإنتاج ويعزز سوق العمل الوطنية ويتناغم مع توجهات الحكومة في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، كما يدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
معالجة المشكلات الاحتكارية
وأشار يونس، إلى أن المجلس يعمل على محاربة أي سلوكيات للاحتكار، ويتم التعاون مع المؤسسات العامة والخاصة لمعالجة المشكلات الاحتكارية، لافتاً إلى أن المجلس يعمل على فتح فروع في عدة محافظات لتوسيع دائرة نشاطه في دعم الاقتصاد الوطني.
وأكد يونس، أن العراق يحظى بحضور فاعل في مجالس المنافسة ومنع الاحتكار العربية والدولية، ونعمل على تبادل الخبرات بالتعاون مع هيئات المنافسة العالمية.
تعزيز ثقافة المنافسة
بدوره، دعا نائب الأمين العام لمجلس الوزراء، فرهاد نعمة الله حسين، إلى تعزيز التنسيق المؤسسي بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص لترسيخ بيئة اقتصادية شفافة ومنفتحة، مشيراً إلى أن تعزيز ثقافة المنافسة يسهم في دعم الاستثمار وتطوير الأسواق وتحقيق التنمية المستدامة.
وأضاف حسين، أن الحكومة تدرك أن المنافسة محرك للاقتصاد وتدعم توجهات خلق بيئة عمل مناسبة، مشيراً إلى أن الحكومة عملت على إقرار القوانين التي تفعِّل السوق المحلية وتمنع المنافسة والاحتكار.
العدالة في الفرص
وفي السياق، عدَّ الخبير الاقتصادي، هشام خالد عباس، تنمية المنافسة ومنع الاحتكار بأن ذلك خطوة مهمة تبنَّتها الحكومة خلال العامين الأخيرين، إذ يمنح سوق العمل رصانة حقيقية ويمنع الاحتكار لضمان العدالة في توزيع الفرص داخل سوق العمل الوطنية.
وأضاف عباس أن الاقتصاد الوطني أمام مرحلة جديدة فيصلها إثبات الوجود لمن يريد العمل داخل سوق العمل العراقية المتنامية والتي تعدُّ من الأسواق المهمة بين أسواق العالم لما تحظى به من مقومات تكاد تنفرد بها عن الأسواق الدولية.
التنافس بين الفاعلين
من جانبها، أشادت منسقة مشروع المنافسة وحماية المستهلك في لجنة «الإسكوا»، نتالي خالد، بجهود العراق في بناء منظومة مؤسسية حديثة تسهم في تطوير الأطر القانونية والتنظيمية للمنافسة.
وذكرت خالد أن التنافس بين الفاعلين يعزز منظومات المنافسة والحدِّ من ممارسات الهيمنة، مؤكدة أن المنطقة العربية تشهد انتشار ثقافة منع الاحتكار لدورها في خلق بيئة مناسبة للعمل والاستثمار.
وأبدت خالد دعمها للتوجهات والتشريعات التي تمنع الاحتكار، لاسيما في ظل وجود رؤية عربية مشتركة تمنع هذه الممارسات وتعزز واقع المنافسة في البلاد العربية.
جودة البضاعة
في غضون ذلك، أوضحت المختصة في شؤون المنافسة والاحتكار، د. صبا طالب، أنه منذ عام 2003 وتحول النظام السياسي من دكتاتوري إلى تعددي ديمقراطي، وما رافقه من تحول في النظام الاقتصادي من المخطط (الاشتراكي) إلى (الرأسمالي)، وهذا التحول لم يتم بخطوات علمية محسوبة، مما انعكس سلباً على الاقتصاد وأدّى إلى حالة من الاضطراب والفوضى وخلق مجموعة من الكتل الاقتصاديـة التي بدأت تتحكم بالاقتصاد وبالمستوى العام للأسعار وأثرت في الجو العام للمنافسة في البلد، مما أدى إلى سيطرة بعض رجال الأعمال على مفاصل اقتصاديـة أساسية والتحكم في جودة البضاعة وكذلك مناشىء تلك البضاعة وكان المتضرر الأول هو المواطن (المستهلك) لتسبب هذه الحالة في دخول بضاعة ذات جودة منخفضة بأسعار عالية والسبب الرئيس هو عدم فصل القطاع الاقتصادي عن التأثيرات السياسية للأحزاب والكتل السياسية .
سياسة اقتصادية سوقية
وأشارت إلى أن المؤتمر ركز على مناقشة موضوعات السوق وكيفية تحقيق منافسة عادلة فيها وتفعيل قانون مجلس شؤون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 14 لسنة 2010، ومواجهة التحديات التي تشهدها السوق العراقية واقتراح الحلول المناسبة لإنفاذ القانون المذكور وتطبيق سياسة اقتصادية سوقية تجعل المنافسة عادلة لجذب الاستثمار، إذ تم التأكيد على استمرار الحوار والتعاون بين الجهات المعنية لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية الحديثة بما يضمن ترسيخ بيئة سوق عادلة ومزدهرة في العراق.
توظيف المنافسة العادلة
من جهته، عدّ نائب رئيس مجلس شؤون المنافسة ومنع الاحتكار، د. ميثم أدهم الزبيدي، المؤتمر علامة فارقة في مسار الإصلاح الاقتصادي العراقي، ليس فقط لأنه جمع مسؤولين وخبراء محليين ودوليين تحت سقف واحد، بل لأنه أعاد تسليط الضوء على قضية جوهرية كثيراً ما تغيب عن الأذهان وهي توظيف المنافسة العادلة أداة رافعة للتنمية المستدامة.
بناء سوق متوازنة
وأضاف الزبيدي أن المؤتمر، يمثل نقلة من الخطاب التقليدي حول الإصلاح إلى نقاش أكثر عمقاً حول كيفية بناء سوق متوازنة تحكمها الكفاءة لا الاحتكار، والشفافية لا المصالح، مبيناً أن تركيزه على دور قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 14 لسنة 2010 وسياسات مناصرة المنافسة، والحياد التنافسي بين القطاعين العام والخاص، يظهر وعياً متزايداً بأن الاقتصاد لا ينهض بالأوامر الإدارية والتنظير فقط، بل بالبيئة التنظيمية والإجرائية التي تطلق عنان المنافسة المشروعة وتحفّز الابتكار وتمنع التمركز الاقتصادي.
وأوضح أن إدراج موضوعات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجلسات الحوارية يشير إلى إدراك حقيقي للتحديات المستقبلية التي تتعرض لها الأسواق في التجارة الإلكترونية ومنصات التسويق الرقمي، وضرورة مواءمة التشريعات مع اقتصاد المعرفة، مؤكداً أن المؤتمر عزز الحوار المؤسسي بين الحكومة والقطاع الخاص، في اتجاه يضع المنافسة في صلب سياسات العدالة الاقتصادية من خلال مشاركة جلسات المؤتمر مع موردي مكاتب الأدوية وشركات خدمات التأمين والتفاعل مع أسئلة الجمهور.








