الصحة النفسية في العراق لا تزال محاطة بحواجز من الخوف والصمت، رغم أن التدخل المبكر يمثل مفتاحاً رئيساً للتعافي وتقليل المعاناة النفسية، ما يطرح تساؤلات حول غياب ثقافة الكشف والعلاج المبكر.
اعتمدت منظمة الصحة العالمية، العاشر من تشرين الأول يوماً عالمياً للصحة النفسية، تأكيداً للاهتمام بالسلامة النفسية للفرد والمجتمع وإيلائها اهتماماً أكبر، وسعياً إلى إزالة الوصمة الاجتماعية التي ما زالت تلاحق المصابين بالاضطرابات العقلية.
ويأتي هذا اليوم ليعزز الوعي العام بقضايا الصحة النفسية، ويدعم الجهود الرامية إلى تحسين خدمات الرعاية والعلاج، مع التأكيد على أن التشخيص المبكر يشكل خطوة أساسية في الحد من تفاقم الاضطرابات النفسية.
الصحة العامة
إلى ذلك أكد رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية الدكتور ماجد شنكالي، أن الصحة النفسية جزء لا يتجزأ من الصحة العامة.
ثم أشار إلى ضرورة أن تولي المؤسسات الصحية والتربوية والإعلامية اهتماماً أكبر بهذا الجانب، من طريق توسيع مراكز العلاج والدعم النفسي وتدريب الكوادر المتخصصة بالصحة النفسية، كما يمثل مناسبة مهمة للتذكير بأهمية دعم برامج الرعاية النفسية وتعزيز الوعي المجتمعي بهذا الملف الإنساني الحيوي.
وأضاف أن لجنة الصحة والبيئة تعمل على متابعة تنفيذ البرامج الوطنية الخاصة بالصحة النفسية والتنسيق مع وزارة الصحة والمنظمات الدولية لتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الاهتمام بالصحة النفسية يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي والاستقرار المجتمعي.
انتفاضة الجسد
في هذا السياق أوضح أستاذ علم النفس وعضو رابطة الفضاء الفرويدي في باريس د. أسعد شريف الإمارة أن الإصابة بالاضطراب النفسي “لم تعد وصمة في الكثير من المجتمعات، والدراسات الحديثة ترى أنها أصبحت جزءاً من بنية الفرد منذ الطفولة، وأنها وليدة نشأة ما، فيجب عندئذ الإقرار بها”.
لذلك يرى جان بياجيه، عالم النفس الفرنسي، أن النشأة تشكل دائماً الممر من بنية بسيطة إلى بنية أكثر تعقيداً. فالشخصية التي بنيت منذ طفولتها على القلق والدقة العالية في إتمام المهام والإنجاز من الوالدين، أو الخوف المرضي “الفوبيا” من الحيوانات الأليفة مثل القطط، أو الوساوس القهرية، أو الميل للعزلة “الاكتئاب”، أو توهم المرض، وغيرها من الاضطرابات النفسية أو الاضطرابات العقلية مثل الفصام وبرانويا العظمة أو الاضطهاد، أو الهوس بأنواعه، هي بنية نفسية.
وتؤكد الدراسات النفسية الحديثة أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية هم أكثر الناس وعياً وحساسية تجاه الأشياء والمواقف.
ثم يضيف الإمارة: “أن معظم الشخصيات الكبيرة في الأدب والفن والشعر والرواية، وممن أثروا البشرية بنتاجاتهم، هم أكثر الناس وعياً، ويعبّر نتاجهم الفكري عما يدور في دواخلهم من أمراض الحضارة المعاصرة، وتتلخص بالاضطرابات النفسجسمية “السيكوسوماتيك”، إذ أثبتت التحليلات المرضية أنها ترجع لأسباب نفسية، إذ يعلن الجسد عن انتفاضته وينفجر من العوامل النفسية التي لا يستطيع تحملها”.
توازن الإنسان
كما يقول البروفيسور د. يوسف حمه صالح من جامعة أربيل، اختصاص علم النفس: “الصحة النفسية من العناصر الأساسية لصحة الإنسان العامة، وبناء مجتمعٍ سويٍّ نفسياً يبدأ من الوعي الجمعي بأن العقل والنفس جزء لا يتجزأ من الجسد، وأن الرعاية النفسية ليست رفاهية، بل ضرورة حيوية تضمن له توازنه واستمراره في عالمنا المُكتظ بالتحديات والضغوط أكثر من أي وقتٍ مضى”.
ويؤكد صالح أنه “في زمنٍ تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحاصر الفرد من كل جانب، وحين تتجاوز هذه الضغوط حدودها دون أن يتزوّد الأفراد بالسُبل الناجعة في مواجهتها، يمكن أن تتحول إلى اضطرابات نفسية جماعية تُصيب المجتمعات بالقلق المزمن واليأس والتشاؤم وانعدام الثقة بالمستقبل، فينعكس ذلك سلباً على الأداء العام والإنتاجية، وعلى العلاقات الاجتماعية، والشعور بعدالة العالم من حوله”.
ولفت صالح إلى دور الأسرة الحاضنة الرئيسة للصحة النفسية، فهي إما تهيّئ الأرضية السليمة لنشأة أفراد أسوياء أو العكس، ويمكنها متابعة الفرد والتشخيص المبكر لعلامات التوتر أو الاكتئاب عبر ملاحظة التغيرات الدقيقة التي تطرأ على شخصيته، كالميل للعزلة والسلبية والانسحاب الاجتماعي واليأس والتشاؤم وعدم الاكتراث.
إخفاء المرض
كذلك ترى أستاذة علم الاجتماع في كلية البنات بجامعة بغداد د. مروج مظهر عباس أن المرض النفسي شبيه بالأمراض العضوية التي تصيب الإنسان، لكن المجتمعات غالباً ما تصنف المريض النفسي بالمختل عقلياً، ما يفرض على المصاب إقامة حواجز اجتماعية بينه وبين المحيطين به خوفاً منهم، فضلاً عن صعوبة الاندماج المجتمعي، ما يسبب له مشكلات اجتماعية كالإدمان والعنف والفقر والتشرد.
وبناءً على ذلك يتم إخفاء المرض عن المريض أو حتى عن المحيطين به خشية من النبذ الاجتماعي أو ما يعرف بعلم الاجتماع بـ(الوصم الاجتماعي)، ما يدفعهم نحو العزلة وتفاقم مشكلاتهم الاجتماعية وتعقّد علاقاتهم الشخصية، متناسين أن المرض النفسي قد يصيب الإنسان في أي وقت، ويمكن أن تتحسن صحته مع العلاج.
وعبّرت عباس عن وجهة نظرها تجاه التعاطي الإعلامي مع المريض النفسي، موضحةً أن للإعلام دوراً سلبياً في نقل حقيقة الأمراض النفسية، إذ نلاحظ ظهور الطبيب النفسي في أغلب المسلسلات والأفلام كأنه هو من يحتاج إلى العلاج النفسي، من خلال حركاته وأسلوبه وتصرفاته وحتى طريقة كلامه وارتداء ملابسه. لذا يتطلب مواجهة هذه التحديات دعماً شاملاً لتعزيز الصحة النفسية ودمج اعتباراتها في السياسات الاجتماعية والاقتصادية.
وصمة مجتمعية
ولا يزال الكثيرون ينظرون إلى المصابين بالمرض النفسي بوصفهم “ضعفاء” أو “خطيرين”، ما يخلق حواجز نفسية واجتماعية تعيق تعافيهم. هذه النظرة القاصرة ناتجة عن جهل مطبق بطبيعة الأمراض النفسية واعتبارها عيباً.
هذا ما صرّح به د. عبد المنعم الشويلي من كلية التربية ابن رشد للعلوم الإنسانية، معتقداً ضرورة تكثيف التوعية المجتمعية من طريق وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية لنشر الثقافة النفسية الصحيحة وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإدماج الرعاية النفسية في النظام الصحي الأساسي، ما يقلل من الشعور بالوصم ويشجع على طلب المساعدة المبكرة، فضلاً عن تسليط الضوء على نماذج ناجحة لمرضى تعافوا وساهموا في المجتمع، مما يغيّر الصورة النمطية السلبية.
عندها ندرك أن الصحة النفسية جزء أساس من صحة الإنسان، ونتعامل مع الأمراض النفسية بجدية الأمراض الجسدية نفسها، وسنتمكن بذلك من بناء مجتمع أكثر صحة وتقبلاً.
تدخل مبكر
ترى الباحثة في علم النفس هديل قاسم أن التشخيص المبكر من الأهمية بمكان، إذ يسهم في تعزيز الصحة النفسية.
وتضيف أن “التدخل المبكر يساعد في اكتشاف العلامات الأولى للاضطرابات النفسية قبل أن تتفاقم، ما يزيد من فرص التعافي ويقلل من الألم النفسي والمعاناة. وتشمل الوقاية تعزيز الوعي، وتنمية مهارات التكيف والمرونة، وتوفير بيئة داعمة في الأسرة والمدرسة والعمل”.
كما يسهم – بحسب قاسم – في كسر دائرة الصمت والوصمة التي تحيط بالمشكلات النفسية، ويشجع الأفراد على طلب المساعدة دون خوف أو خجل، ما يعزز الالتصاق الاجتماعي ويحد من السلوكيات السلبية، فالصحة النفسية ليست مسؤولية فردية فقط، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب الوعي والدعم والتدخل في الوقت المناسب.








